أمانسيو أورتيغا ، لا جوع بعد اليوم

عُرفت حياته بالسرية، قليلاً ما يظهر على شاشات التلفاز أو يُدلي ببعض التصريحات الصحفية،عرف كيف يتعلم من الحياة في صمت، وكيف يستغل خبرته في تواضع، لذلك لم يكن من الغريب أن تسمع لأول مرة عن أغنى رجل فى العالم،إمبراطور الملابس الجاهزة، مؤسس واحدة من معالم الأناقة، صاحب التصميمات العصرية كان هدفه الأساسي عكس فكرة أن الموضة هي حق للثري فقط، وجعلها أكثر ديموقراطية، فكان يقدم الموضة لتلمس جميع طبقات المجتمع،أنه الأسبانى “أمانسيو أورتيغا”، صاحب ومؤسس شركة “Zara”.

وُلد أمانسيو أورتيغا في الثامن والعشرين من شهر مارس لعام 1936 في ” بسدونجو دي أرباس” بمقاطعة “ليون” في “أسبانيا”، قضى فيها 14 عاماً من عمره حتى انتقل إلى مدينة “لا كورونيا”، وُلد في أسرة فقيرة تكاد تكون معدومة، والده يعمل في قطاع السكك الحديدية، لم تكن عائلته قادرة على توفير الطعام لأفرادها، فتجرع مرارة الفقر وسُلب منه أبسط حقوقه وهو التعليم حتى يستطيع العمل في سن صغيرة ليساهم في سد رمق جوع أهله.

عاش أمانسيو أورتيغا حياة مليئة بالحرمان، لم ترحم صغر سنه ولا نعومة أظافره، كبر قبل آوانه، وحمل على أكتافه هماً كبيراً يفوق قدرته،في الوقت الذي كان أقرانه يلعبون ويقضون أوقاتهم في المرح كان أورتيغا مشغولاً في انتشال عائلته من بئر الفقر المتقع، ولعلّ بكاء أمّه أمامهُ حين طلبت الطعام من أحد المحلات فقُوبلت بالرفض لعدم اكتمال المبلغ الكافي كان السبب الأكبر لإجتهاده ليلاً ونهاراً في العمل، لم يحتمل أن يرى أمّه تنهار أمامه، كانت تبكي وفؤاده يتألم، لم يقوى على رؤية أمه في هذا الضعف، فقطع وعداً على نفسه “لن تشعر أمي بالجوع أبداً بعد اليوم”، وأصبح شغله الشاغل الوفاء بوعده مهما كلفهُ الأمر، نزع مِعطف الطفولة وكبُر في العمرِ أعوام، ذلك أن الهّم لا يعرف طفلاً، بعمر العاشرة فقط.

بدأ أمانسيو أورتيغا العمل في أحد محلات الملابس الجاهزة لتوصيل الملابس إلى المنازل، وبعد فترة عمل مساعداً للخياطين في الشركة، مما جعله يكتسب الخبرة في مرحلة إنتاج الملابس، استمر أعوام قليلة حتى أصبح يعمل مندوب للمبيعات لمدة 8 سنوات في مصنع “لاماخا” لصناعة الملابس النسائية وهو في سن الخامسة عشر، تعرف على زوجته “روزاليا ميرا” رائدة الموضة في تلك الفترة، وفي بداية الستينات بعد عمل شاق ومتعب تمكن أورتيغا من إدارة أحد المتاجر في مدينة لاكورونيا، فكان اختلاطه بين الزبائن دافعاً كبيراً للتفكير في إنشاء شركته الخاصة بأسعار منخفضة، فأمضى إجازته في تصميم الملابس، إلا أن السوق كان صعباً يتوجب عليه منافسة أضخم الشركات،مما استغرقه عدة سنين يفكر كيف يمكن أن ينتج أفضل القطع بأقل الأسعار.

في السابعة والعشرين من عمره تمكن أمانسيو أورتيغا من بناء مصنعه الخاص من خلال الأموال التي حصل عليها من إدارة المتجر وبيع التصاميم، بدأ مصنع أورتيغا والذي سُمي “كونفيسيونيز غووا” في إنتاج أرواب الحمامات، وبدأ بتوزيعها على المحلات والمتاجر، فنشطت حركة البيع وارتفعت أسهم الأرباح، فتحمس أورتيغا ولمعت على باله فكرة إنشاء “Zara” وهي علامة تجارية لأول متجر لبيع الملابس عام 1975 في المجمع التجاري في “لا كورونا”، والذي كان يتردد عليه الكثير من الزوار والمتسوقين، وسرعان ما بدأت تصاميمه تلقَ رواجاً كبيراً ذلك أن أسعارها كانت مناسبة لجميع الطبقات.

بدأ أمانسيو أورتيغا في نقل التصميمات من عروض الأزياء التي كانت تُقام في “باريس” و”ميلان” و “لندن”، وتوفيرها بسعر مقبول للجميع،وأصبحت“Zara”  العلامة التجارية الأولى في أسبانيا الأمر الذي دفع أورتيغا إلى الإتجاه خارج أسبانيا، فأنشأ العديد من الماركات التجارية لتحاكي جميع أذواق المجتمع المختلفة تحت مسمى واحد وهو “Inditex Group”.وبذلك استطاع أورتيغا اكتساح السوق بسلاسة مُتخطياً جميع المنافسين دون أدنى مقاومة.

amancio-ortega-2

وفى عام 1985 أسس أورتيغا مع زوجته شركة “Inditex”، والتي تضم حالياً الكثير من الماركات لمختلف الشرائح مثل “Pull And Bear” لملابس الشباب، “Massimo Dutti” لملابس النساء، “Bershka” لملابس المراهقين، وكذلك “Stradivarius” ، “Oysho” ، “Uterque”، “Zara”.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح  مؤسس شركة ايكيا IKEA “إينغفار كامبراد”

بدأت ” Inditex ” في التوجه إلى خارج أسبانيا، فنشرت العديد من المكاتب الإدارية للعلامات التجارية في بريطانيا وأمريكا وايطاليا والكويت، فوصل عدد المتاجر عام 1989 إلى الرقم مائة، لم تهتم ” Inditex ” بالإعلانات إطلاقاً وهي السياسة المتبعة في الشركة حتى لا يؤثر ذلك على الأسعار، فيمكن إنتاج الملابس وتوصيلها لجميع المتاجر خلال 15 يوماً فقط، وأكبر سر من أسرار نجاح الشركة هو “أورتيغا” فها هو يعمل بجهد واضح ونشاط دائم مع الموظفين خصوصاً قسم الإنتاج والتصميم،واصل العمل دون كلل بإدمان على العمل منذ سن العاشرة.

عرف أمانسيو أورتيغا كيف يصنع نفسه بنفسه، وكيف يبني امبراطوريته في صمت، امبراطورية تضم 14 ألف موظف في أكثر من 6600 متجر في 62 دولة حول العالم، فبالرغم النجاح الهائل فهو يُمتاز بالتواضع، وإذا ما تحدثت معه يوماً لن تشعر أنه صاحب أكبر امبراطورية للألبسة،لا يبالغ بالتظاهر ولا يفضل ارتداء البدل الرسمية ولا رابطات العنق، ولا إجراء اللقاءات الصحفية.

وبحسب مجلة “فوربس” الأمريكية تمكن أمانسيو أورتيغا من تصدر قائمة أثرياء العالم لفترة مؤقتة خلال عام 2015 بثروة بلغت 79.9 مليار دولار، مزيحاً بذلك “بيل غيتس” مؤسس شركة “مايكروسوفت” العملاقة والذي احتكر المركز لنفسه عدة سنوات قبل أن يعود مجدداً للقمة.

بلا شهادة جامعية، بلا أموال، شخص مشرد لا يمتلك المال للحصول على الطعام، حركته مشاعر أمه الرقيقة، أصبح أغنى رجل في العالم، لم يمتلك إلا الخبرات اليومية التي كان يجمعها يوم بعد يوم خلال هذا العمل اليومي الشاق، فتمكن من معرفة ما يحتاجه في السوق للنجاح، دفع ثمن النجاح مسبقاً حين تخلى عن دراسته، إلا أنه اليوم يفوق ما قدمه آلاف المتعلمين، فما هي حجتك للتقاعس والكسل، وقد وُفرت لك سبل الراحة جمعاء!

عن الكاتب

Profile photo of احمد عبد الغني

احمد عبد الغني

أحمد عبدالغني مدون مصري 20 سنة ،
"لا علاقة للنجاح بما تكسبه في الحياة أو تنجزه لنفسك، فالنجاح هو ما تفعله للآخرين".

اترك تعليقاً