أنتوني برجيز، لا استسلام في انتظار الموت

Profile photo of احمد الزيود

إنّ الأمل يقصي الهزيمة من أرواحنا، وإنّ استسلامنا للألم والرضى به هو الهزيمة بعينها، نحن محدودون بالأيام التي نعيشها، فإنْ عشنا أيامنا من أجل أن نعيش فقط، فما تلك بحياة، وإنّما حياتنا الحقيقة هي نتاج ما تركناه لهذا العالم، بعد أن نغادره، كان أنتوني برجيز مؤمناً أنّه سيفنى، وكان مؤمنًا أنّه لن يفنى اسمه إن ترك لهذا العالم شيئاً، لذلك سنتحدّث عن قصته، لا استسلام لأنتوني برجيز. الأمل؛ كلّ الأمل كان يملكه أنتوني.

أصيب أنتوني برجيز بوعكة صحيّة، وكان تشخيص المرض أنّه لا مجال لشفائه، ولن يعيش سوى عاماً واحداً، عام واحد فقط كان يملكه أنتوني لكي يغيّر مسار حياته، وقد جاء العام والأعوام التي تلته بما خلّد لنا اسم انتوني برجيز حتى اليوم من خلال قصته. وتحوّله إلى مسار الكتابة ليكون من أشهر الكتّاب في العالم.

ولد أنتوني برجيز عام 1917م في مدينة مانشستر الإنجليزية، وكان والده يعمل صرافاً وعازفاً للبيانو في أوقات فراغه، وماتت أمّه في وباء الإنفلونزا عام 1919م، فعاش تحت رعاية أحد أقربائه وبعد ذلك تولّت زوجة أبيه رعايته، كان أنتوني برجيز شخصاً طموحاً محبّاً للعلم والتعلّم فقد علّم نفسه بنفسه، وقد تخرّج من دراسته الجامعيّة في عام 1940م بجامعة فيكتوريا بمانشستر، وتخصّص في اللغة الإنجليزيّة.

شارك أنتوني برجيز في الحرب العالمية الثانية، وعمل ضمن فريق الإسعاف ممّا جعله يسافر لبلاد كثيرة، لكنه كان يحبّ الموسيقي كوالده، فمن الطريف أنّه في وقت الحرب أدار فرقة موسيقيّة للرقص ضمن النشاط الحربيّ للترفيه عن الجنود.

تعرّف أنتوني في فترة دراسته بالجامعة علي زميلته الشابة وتدعي لين وفي سنة 1942م تزوجا، لكنهما لم ينجبا أطفالاً، وعلي الرغم من ذلك ظلّت تشجعه وتشدّ من عزيمته ليواصل المسيرة في طريقه الذي يحبّ ليصبح كاتبًا مرموقًا، في عام 1954م سافر أنتوني للتدريس في مالاي وبروناي، فأتاح له ذلك تأليف ثلاث قصص بحلول نهاية عام 1959م، العام الذي أصابه فيه الدوار المفاجئ وجعله طريح أرضية الفصل الدراسي في جامعة سلطان عمر علي سيف الدين في بروناي، ومن بعدها وهب أنتوني حياته بالكامل للتأليف والكتابة.

anthony-burgess-2

عندما بلغ أنتوني برجيز الثالثة والأربعين من عمره كان شخصاً محبّاً ومولعاً بالكتابات الأدبيّة، ولكن الحياة العمليّة وانغماسه بها أثّرت في نفسه أيّما تأثير فكان يعمل بالتدريس إذ يذهب كلّ يوم إلى عمله، وكان مخلصًا لمهنته، ولم يتفرّغ أبدا لموهبته الكتابية، وفي يوم من الأيام كان كالعادة يمارس مهنته كأستاذ وفجأة حدث ما لم يكن في الحسبان، إذ سقط مغشيّاً عليه وذهب إلى المستشفي وبعد التشخيص كانت الصدمة الكبيرة أنّ الدكتور صرّح له أن لديه ورمٌ خبيث وأنّه لن يعيش سوى عاماً أو أقلّ علي حسب تقدير الطبيب لحالته، وبعد ذلك ذهب إلى بيته ولم يعنه ما قاله له الطبيب في شيء، بل عزم أن يقضي حياته كما يريد دون أن يؤثّر شيءٌ على إرادته، فطرح كلّ الأفكار خلف ظهره ومضي في طريقه فقرر أنّ الوقت قد حان ليتابع هوايته التي يحبّها ويترك التدريس جانبًا.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح الكاتبة المعجزة “هيلين كيلر”

لم يكن أنتوني برجيز يعيش حياة الرفاهية، لذا جلس يفكر فيما آلت إليه الأمور وفيما سيتركه لزوجته من بعده، فقد آمن أنّه من يأتي إلى هذه الدنيا ولا يزيد عليها يكون زائداً فيها، فلم يجد أنتوني برجيز أفضل من أن يبحث، ويكتب، ويؤلّف القصص التي يعشقها ومن ثمّ يتركها لزوجته لتستفيد منها بعد موته، ليترك شيئاً منه في هذا العالم على الأقلّ، وكان كلّما كتب، ازداد أملًا بأنّه حتى إن ترك هذه الدنيا، فإنّ حروفه باقية ها هنا، وجلس يكتب ويؤلّف حتي انتهت مهلة العام، وانتظر الموت لكنّه لم يأته، فاحتار في أمره وذهب إلى الأطباء فأخبروه أّن تشخيصه كان خاطئاً وقد عاش حتى بلغ 76 عاماً، وألف أكثر من 70 قصّة ونشر ما لا يحصي من المقالات الأدبيّة لكن بأسماء مختلفة ومستعارة ممّا جعل حصرها صعباً فيما بعد.

بحلول عام 1964م كان أنتوني قد انتهى من تأليف 11 قصة، تميّزت كتابات أنتوني بالسخرية وتحوّلت بعض قصصه إلى أفلام سينمائية، ولعلّ أشهر قصصه البرتقالة المنتظمة التي تحولت إلى فيلم لاحقًا.

لذلك إن وصلت بنا الظروف إلى طريق نظنّه مسدوداً، علينا ألا نفقد الأمل، فإنّ الأمل يحيي النفوس، وعلينا أن نتيقن أنّنا أقوى من أيّ شيء إن كنا نملك الإرادة لهزيمته.

عن الكاتب

Profile photo of احمد الزيود

احمد الزيود

اترك تعليقاً