إليزابيث هولمز ، المخترعة الصغيرة و وخز الإبر

الشابة التي خرقت القواعد و تجاوزت القوانين مثبةً أن المستحيل بعيد جداً إذا ما لازمنا الاجتهاد ملازمة الظل للضوء، المخترعة اليافعة التي وضعت بصمتها في عالم الأطباء و الصحة أكثر العوالم صعوبة و خطورة ، كافحت رغبات الشباب في سنها كي تقدم لنا علماً مهماً ،إنها الشابة “إليزابيث هولمز” المؤسسة لشركة “ثيرانوز” المخبرية الطبية.

ولدت إليزابيث هولمز في الثالث من فبراير لعام 1984 ، في العاصمة الأمريكية “واشنطن” ، ولدت لأب و أم من طبقة مرموقة في المجتمع إن كان علمياً أو اجتماعياً ، بالإضافة الى سلالة عائلتها التي تنحدر منها و التي كانت تضم الأطباء و الجراحين و الممثلين و غيرهم ، درست هولمز في مدرسة “جونز” حتى الثانوية ، وأثناء تلك الفترة قرأت السيرة الذاتية لجدها الجرَاح و التي أعطتها رغبة ما في السير قدماً على خطى جدها إلا أنها و بعد فترة اكتشفت أنها تخشى الإبر مما جعلها تتوانى عن فكرتها ، لكنها متخدة منها خطوة أولى في نجاحها الساحق الذي سوف تحققه بعد حين .

كانت إليزابيث هولمز نموذجاً من الاجتهاد و التألق ، فقد تعلمت اللغة الصينية و أخيها منذ عمر صغير أثناء قضاءها مرحلة المراهقة في الصين ، ولتثبت أنها قادرة على ادارة المشاريع منذ صغرها قامت ببيع قائمة المصرفات للجامعات الصينية، إضافة الى حبها للإطلاع على كل شيء الأمر الذي كان له أثراً إيجابياً على مستقبلها فيما بعد، التحقت إليزابيث هولمز بالجامعة و تحديداً في جامعة “ستانفورد” في قسم الهندسة الكيميائية و التي كسبت منها الخبرة الكبيرة بالرغم من أنها كانت لا تزال في سنواتها الأولى ، فقد كانت واحدة من علماء الرئيس هناك و هي لا تمتلك سوى الـ19 عاماً فقط .

التحقت إليزابيث هولمز فيما بعد بمنحة مع معهد “جينومي” بسنغافووة والذي كان يعنى باكتشاف الفايروس المسبب للالتهاب الرئوي الحاد، تلك التنقلات ما بين الصين و الجامعة و المختبرات و المعهد اكسبت هولمز خبرة جيدة بالرغم من أنها ضئيلة الى حد ما ،عند عودة هولمز من رحلة المنحة بدأت بكتابة استمارة الاختراع خاصتها ، حيث قدمت حينها اختراعاً كلاصقة توضح حالة الدم ، و بعدها توالت اختراعات هولمز كلما تقدمت في السنين ، وكأن رصيد اختراعاتها مرهون بعمرها.

elizabeth-holmes-3

حينما أرادت هولمز أن تطبق مشاريعها التي تدور في رأسها لم تجد المقومات التي تمكنها من فعل ذلك ، ففكرتها بحاجة لمختبر مجهز بأعلى المواصفات و مجموعة من الأدوات لاختبار عيناتها و تحليلها مما جعلها تلجأ لأحد المهندسين الكيميائين في جامعتها حيث استمرت في ملاحقته الى أن سمح لها بأن تستخدم معمله لتطبيق و اختبار مشروعها ، والذي قامت بعرض فكرته فيما بعد على هذا الأستاذ و هي لم تبلغ من العمر سوى الـ19 عاماً ، و بالفعل أسست هولمز الصغيرة شركتها و هي في ذلك العمر ، أسست شركة “ثيرانوز” في 2003 و التي كانت بمثابة نجاح أكبر بكثير من سنها الصغير ، فقد حققت فيها نجاحاً باهراً بعدما قدمت طريقة أسرع و أرخص ثمناً و أكثر جودة لفحص الدم ، فقد وفرت طريقة الوخز الخفيف لإحدى أصابع اليد على شريحة بلاستيكية الكثير من عدة نواحي ،فقد وفرت العناء على الطبيب و على المخبري و المريض أيضاً في استخراج كمية أقل من الدم و بطريقة أقل ألماً أو حتى بألم لا يذكر.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح مؤسس مجموعة شركات فيرجين “ريتشارد برانسون”

كانت إليزابيث هولمز تعمل في شركتها و التي أدارها أستاذ الجامعة نفسه الذي ساعدها منذ البداية ، و أخيها الذي كان مديراً لمنتجات الشركة ، كنصف دوام من على سرير غرفتها في الجامعة ، لتجد أن هذا العمل لا يناسبها و هي الآن في موقف صعب فإما أن تنجح شركتها أو تفشل ، فتركت الجامعة حيث أنها لا تريد انتظار السنين المتبقية لها تاركةً حلمها يفلت من بين يديها ، و تفرغت هولمز بهذا تفرغاً كاملاً لشركتها الخاصة تضع فيها كل خبرتها و دراستها ، بل و أيضاً معرفتها في الاقتصاد و التي اكتسبتها بعدما تركت الجامعة في دروس كانت تتعلمها بنفسها.

و بالفعل توالت اختراعات هولمز بعدها و مرت سنينها و هي من نجاح الى أكبر ، فقد حققت ما يقارب الـ18 براءة اختراع أمريكية و 66 براءة اختراع من خارج أمريكا ، و صنفت أيضاً كمخترع مشارك في أكثر من مئة اختراع ، هذا ناهيك عن تصدرها قوائم الـ”فوربس” كأصغر مليونيرة عصامية بثروة تقدر بـ 4.6 مليار دولار أمريكي، و بحلول عام 2014 قامت شركة هولمز بتوفير ما يقارب الـ400 اختبار ، كما و دخلت عدة شراكات مع صيدليات لبناء آلاف المراكز الصحية و التي توفر قائمة كاملة لاختبارات الدم للمستخدمين بثمن أقل بكثير مما يقدمه المنافسين، مما زاد من قيمة السوقية للشركة لتصل الى أكثر من 10 مليار دولار.

و بالرغم من أن إليزابيث هولمز تعد منقطعةً عن العالم الإفتراضي الذي نعيش به نحن اليوم بصورة أو بأخرى، هذا بسبب أنها لا تمتلك تلفازاً و لا تشغل نفسها بأي من الملهيات و التي قد تهدر وقتها ، فإنها ترى في عملها المستمر منذ أن تستيقظ من النوم و حتى يحل الظلام جمالاً لا يراه الآخرين أبداً ، فهي ترى أنها مع كل ساعة عمل إضافية حي تحيا و تعمل كي تحقق الرعاية الصحية لكل العالم ، أي أنها شمعة تحترق من أجل أن تضيء ما حولها.

هذه هي إليزابيث هولمز ، التي وضعت الطب في حيرة من أمره جرَاء كل تلك الاختراعات التي قدمتها ، و كأنها تقدم قصة من نجاح مكللة بالاجتهاد ، لا دروس جامعية أكثر و لا سنوات اختبارات و امتحنات أكثر ، هي فقط مثابرة و اجتهاد و ذكاء أكثر ، فبالرغم من استحالة تحقيق ما قد حققته هولمز في سنها و في امكانياتها ، و في المقومات الأولية التي كانت متاحة لها ، إلا أنها أثبتت و بكل ثقة أنها تستطيع ، فقط لأنها أحبت و أرادت و كرست كل ما فيها لجعل حلمها يلامس خطوط النور ، فبمزيد من المثابرة يصل من لم يتوقع له أحد الوصول الى أعلى قمة في الكون.

عن الكاتب

Profile photo of رناد مجدلاوية

رناد مجدلاوية

طالبة تكنولوجيا ، اهوى الكتابة فالكتابة هي التصالح الأبدي بين الفكرة و تطبيقها ، و هي الهوية البيضاء وسط ظلام الكون ، وحينما نمزج تركيبتا التكنولوجيا و الكتابة نخرج بأكثر الأماكن قرباً الى قلبي و هو "موقع شخصيات"

اترك تعليقاً