توم موناهان ، رجل يخشاه الاستسلام

أخضع الظروف له بدلاً من أن تخضعه ، خاض كل تجارب اليأس دون أن يهزه الفشل مرة ، خاض الطريق و هو يوقن أنه سيصنع فارقاً في هذا العالم و سيضع اسماً له وسط كل تلك الأسماء، و من كان يدري أن اسمه سيرتبط بأكلة محببة تكاد لا تفنى أي مائدة منها، “البيتزا” ذات الربع ساعة صنعت من رجل قصتنا هذا رجل نجاح بل رجلاً لا يعرف المستحيل ، هو رجل الأعمال “توم موناهان” مؤسس سلسلة مطاعم دومينوز بيتزا .

ولد توم موناهان المدعوَ “طوم” في الخامس و العشرين من شهر مارس لعام 1937، في ولاية ميشيغان الأمريكية ، لكن هذا الطفل عاش يتيماً في ملجأ للأيتام بعد أن وضعته أمه مع أخيه في دار الأيتام وقتما توفي والدهما و طوم يبلغ من العمر 4 سنوات، إلا أن الملجأ لم يكن ليوائم هذا الشقي الصغير ، فاضطر أصحاب الملجأ على طرده، هناك حيث بدأ هذا الفتى البحث عن عمل يمكنه من إكمال دراسته الجامعية و بالفعل عمل كسائق لسيارة نقل تمكن من خلالها توفير مبلغ صغير لم يكفه سوى لتسديد مصاريف ربع فصل دراسي  على الرغم من أن درجاته الدراسية كانت عالية ، و بسبب عدم مقدرته على تسديد تكاليف الدراسة قرر الالتحاق بمشاة البحرية الأمريكية و تسرح منها بمرتبة الشرف بعد ثلاث سنوات ، و قد كان يتدخر ما يحصل عليه الى أن وصل الى النصف تماماً ، دفع توم موناهان المبلغ كله في مشروع تجاري إلا أن هذا المشروع لم يكتب له النجاح ، بالرغم من أن الحياة قد جعلته يشهد الكثير من المتاعب منذ نعومة أظفاره إلا أن اليأس لم يستطع تملك حماس توم موناهان أبداً بس على العكس عاد ليبحث له عن عمل آخر فقد عمل كمشرف على توزيع الصحف اليومية، ثم و ربما ساءت مع الأحوال أيضاً ليصبح هو من يوزع الصحف بنفسه الى المنازل في نيويورك .

وبعد أن أصبح عمره 23 سنة عرض عليه أخيه “جيمس موناهان” أن يشاركه في شراء محل بيتزا صغير اسمه “دومينيكز”  كان معروضاً للبيع، دفع الأخوان موناهان 500 دولار و اقترضا الباقي لتسديد ثمن المحل ، و لم يكن لدى طوم أدنى فكرة عن كيفية صنع البيتزا إلا أنه يستطيع أن يكون الرجل المناسب في كل مكان فمقدرته على تحمل الصعاب و ضحد المستحيل جعلته كذلك ، و بالفعل استطاع هذا الذكي تعلم طريقة صنع البيتزا في ربع ساعة فقط من صاحب المطعم ، لتكون البيتزا هذه نقطة الوصول و الخطوة الأولى في مسيرة طوم العملية، لكن المتاعب لا زالت تلاحقه و لم تشبع من أن تحبطه و هو ينتشلها من جذورها في كل مرة و يرميها ، لم يحقق مشروعه و أخيه أي ربح يذكر طوال سنته الأولى مما دفع من اخيه جيمس على ترك المحل بعد أن قايضه طوم بسيارة توصيل الطلبات التي كانت في المحل، و بهذا أصبح طوم لوحده الآن يواجه متاعب البيتزا من جديد .

ترك كثير من موظفي المطعم العمل فلم يتم تسليمهم أي شيء من مستحقات المالية لفترة طويلة ، و بالصدفة و في عطلة أسبوعية اكتظ المطعم بالزبائن مما اضطر طوم للعمل وحده في تسليم الطلبات و بيع البيتزا بحجم أصغر و نوع واحد فقط، إلا أن الزبائن لم تعترض على الفكرة بل على العكس بدأت الأرباح تنهمر عليه أكثر من ذي قبل ، -فرب نضارة نافعة- ، حيث تمكن طوم حينها من شراء محليَن اضافيين، الا أنه واجه مشكلة مع صاحب المحل السابق الذي رفض أن يستخدم طوم اسم محله في المزيد من أفرع المحل مما جعل اسم المحل “دومينوز بيتزا” و هو الاسم المعمول به الى هذا الوقت، استمر طوم يزيد في كفاءة عمله و يهتم لأدق التفاصيل مما جعل من البيتزا في محله إحدى الأطعمة المرغوبة و المشهورة و التي تدر عليه المال و الأرباح من جهة أخرى .

اكتشف طوم بعد مدة نظام الـ”فرنشايز” أي “حق الامتياز”  و ما يعود به من أرباح على الشركة ، فعمد الى الاقتراض و فتح فروع أخرى لمحله وصلت الى 44 فرع و بدأ بتطبيق نظام التوصيل الى المنازل القريبة من المحال ، إلا أنه و بعد مدة اكتشف أنه قد طبق الطريقة بشكل خاطىء فقد وظف عدد كبير من الموظفين دون فائدة منهم و لا يقومون بأي مهام الأمر الذي أدى به الى خسارة 51% من شركته ، و كأن طوم عاد الى الصفر من جديد فقد خسر كل شيء و بدأ الدائنون يطاردونه و شركات الفرنشيز تفسخ العقود معه ، ولم يستسلم اراد إعادة الأمور الى مجاريها و استعان بخبير إداري إلا أنه -زاد الطين بله- و بدلاً من أن يصلح الوضع زاده تعقيداً ، و ما كان من البنوك المقرضة و بعد أن فقدت الأمل الا أن تعيد طوم رئيساً لشركته علَه يستطيع مرة أخرى تسديد الأموال المتراكمة عليه .

tom-monaghan

عاد توم موناهان إلى شركته سعيداً كما لو أنه يبدأ للمرة الأولى، لم يجعل المتاعب السابقة و المحبطات الكثيرة تكسر ثقته بنفسه ، رجلٌ حديدي يشبه أبطال الأفلام في تحديه لليأس ، عاش توم موناهان سنتين من العذاب النفسي و الجسدي الحقيقيان ، فكان ما بين المحاكم و القضايا التي كان يدافع فيها عن نفسه بنفسه و ما بين استعطاف الموردين في الغاء دعاويهم القضائية و ما بين العمل في المطعم و العيش في منزل بلا اثاث و سيارة قديمة كانت قد خصصت لتسليم طلبات البيتزا قديماً ، هذا و قد أصبح عدد موظفي محل البيتزا 3 أشخاص فقط توم و زوجته و آخر بعد أن كان عددهم كبير جداً ، ثم و بعد سلسلة من المعاناة و التعب تمكن توم موناهان من ان يعيد شركته للوقف مرة أخرى على قدميها و استرداد زبائنها مرة جديدة.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح صاحب سلسلة فنادق هيلتون “كونراد هيلتون”

بعد أن استطاع توم موناهان هذا الرجل البطل أن يسدد كل ديونه و يعيد لشركته هيبتها أعاد اتباع نظام الفنشيز إلا أنه اتبعه و بصورة صحيحه و قام بإنشاء فروع أخرى من محلات “دومينوز بيتزا” كما و طبق فكرة توصيل الطلبات لكن بصورة جديدة و هي توصيل البيتزا خلال 30 دقيقة أو تصبح البيتزا مجاناً ، الأمر الذي جذب الزبائن له أكثر و جعل من محلاته مشهورة في بلده و بل خارجها حيث أسس في عام 1980 أول فرع لدومينوز بيتزا في كندا.

في عام 1989 قرر توم موناهان التنحي عن ادارة الشركة ظاناً أن واجبه قد انتهى و كرًس نفسه لخدمة الكنيسة الكاثولوكية ، الا أن شركته عادت تطلب قبطانها بعد أن دخلت “بيتزا هت” على الأسواق و أصبحت المنافسة شديدة لكن القبطان توم موناهان كان بالمرصاد تمكن من أن ينافس جيداً في الأسواق و باع 98% من أسهم الشركة في عام 1999 لشرة استثمارية بعد ان أصبح للشركة اليوم أكثر من 8000 فرع حول العالم و بهذا يكون توم موناهان قد أنهى المهمة عن جدارة و أوصل حلمه الى برَ الأمان .

كل تلك المتاعب و المصاعب التي صاحبت توم موناهان منذ صغره الى آخره لم تضعف فيه يوماً روح العمل و لم تجعل منه يائساً أو محبطاً بل على العكس كان يستمد من كل انتكاسة انطلاقة جديدة ينمو بها حلمه و يكبر فيها طموحه ، و يبدأ من جديد تحديه مع الزمن مثبتاً للعالم أن لا شيء مستحيل دام الانسان لا يلقي للاستسلام بالاً و لا يدرك خطوط الفشل

 

عن الكاتب

Profile photo of رناد مجدلاوية

رناد مجدلاوية

طالبة تكنولوجيا ، اهوى الكتابة فالكتابة هي التصالح الأبدي بين الفكرة و تطبيقها ، و هي الهوية البيضاء وسط ظلام الكون ، وحينما نمزج تركيبتا التكنولوجيا و الكتابة نخرج بأكثر الأماكن قرباً الى قلبي و هو "موقع شخصيات"

اترك تعليقاً