جهاد عبده ، هوليود بأداء سوري

Profile photo of احمد الزيود

الكفاح بأمَ عينه يتربع في قصة هذا الرجل ، النضال النفسي ما بين أن يكون أو لا يكون تكو٘ن في شخصه ، الرجل الذي كان له من اسمه نصيباً أكبر ، جاهد الظروف و جابه الحرب ، حارب الفقر و قاد كل الظروف القاسية الى صفه معلناً أنه العربي الأجنبي الذي سيطرعلى الشاشة رغم فرارها المتكرر منه ، إنه الممثل السوري “جهاد عبده”.

ولد جهاد عبده عام 1962 في العاصمة السورية دمشق ، و درس في مدارسها ثم التحق بعد ذلك بمنحة دراسية بجامعة “كلوج نابوكا” في رومانيا ، حيث درس فيها الهندسة المدنية وتخرج منها عام 1986 ، وبعد عودته لسوريا ، التحق بالمعهد العالي للفنون وتخرج منه عام 1991 فقد كان يدرس عزف الكمان منذ صغره في المعهد العربي للموسيقى، ولد جهاد لعائلة متوسطة الحال تعيش في أحد أحياء سوريا ، الأب فيها يعمل مدرساً للغة العربية و الأم ربة منزل مما جعل دراسة عبده صعبة الى حد ما ، و عن بدايته في عالم التمثيل نذكر أنها كانت محض صدفة فقد حصل أن الطلبة السورين أقاموا حفلاً لهم في رومانيا و قد طلب المشاركة فيه ليكتشف حينها موهبته و حبه الشديد لهذا المجال مما جعله يلتحق بالمعهد العالي للفنون فور عودته للبلاد.

أصبح وجه عبده مؤلوفاً للعالم العربي ما بين تنقلاته من مسلسل الى آخر بالطبع بعد الكثير من العقبات الصعبة التي واجهها ، فأصبحنا نراه في مسلسلات سورية عديدة و بأدوار مختلفة مثبتاً كل مرة أنه يتمكن تماماً من تقمص أدواره بحرفية متقنة، فحقق ذاته في سورية ثم امتد نجاحه إلى المستوى الإقليمي فشارك بأفلام تركية قبل أن يصل إلى هوليود.

كانت رحلة عبده مع الفن الى مكان بعيد، مكانٌ كان الوصول إليه صعب ، ولكن عبده وصل بالنهاية ، فمن بلاد الموت الأسود، حيث تعلو الآهات وبكاء أولئك القابعين في الداخل، الذين لم تسمح لهم فرصة الهروب ، حتى المجازفة في قوارب الموت ،إنه أحدهم ؛ إنه أحد ملايين المهجرين ،المضطهدين في بلاد لا ترى فيها سوى الموت، الى بلاد البذخ و الأحلام هوليود ،ليأتي صوته اليوم من هوليود محملاً بأنين فاجع ، أنين فقد الوطن .

جهاد عبده

اضطر عبده الى الهروب خارج سوريا بعد تهديدات بالاغتيال بسبب تأييده الثورة السورية هناك، فسافر الى أميركا حيث كانت زوجته لدراسة الماجستير ، ولأن الحياة صعبة، بل أصعب مما نتخيل حتى، ورغم أن أمريكا هي البلاد التي تتحقق فيها الأحلام ،كانت أحلام عبده في أول عامين قد تبخرت بين توصيل الورد والبيتزا والعمل في مطعم إيطالي ومحل بيع الألبسة وسائق تاكسي ،فبالرغم من ذكائه حيث أنه يتقن 4 لغات وهي الانجليزية والاسبانية والرومانية والعربية ومهارته بالتمثيل الا انه عانى كما يعاني جميع اللاجئين حول العالم ، حاله كحال كل سوري  فقد وطنه، ، فالحرب لا تعرف في قسوتها غنياً أو فقيراً مشهوراً أو غير مشهور.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح المنشد “ماهر زين” 

بالرغم من كل هذا و ذاك ، فإن الخزين الذي في داخل عبده والرصيد الفني والغنى الإنساني مخبوءاً في جرار الروح ، فهو فنان متعدد الإمكانيات، ناهيك عن خبرته الإنسانية الواسعة التي اكتسبها من تنقله في مجتمعات كثيرة، فضلاً عن إتقانه لعدة لغات، وكما فجرت الثورة السورية مكامن الفجور والقحة لدى الكثير من الفنانين الهشين الوصوليين، فقد فجرت أيضاً ينابيع الحق والعدالة والانتصار للإنسان وقضاياه والتي اختار جهاد عبده الوقوف إلى جانبها متجرداً من أي مصالح شخصية ووضع نفسه في خدمة الهم السوري ليكون هاجسه الأول، مما جعله يسجل اسمه في سجلات ممثلي هوليود كي يعيد لاسمه السوري وهجه الذي خفت ملامحه خلف أوجاع الحرب.

و بالفعل بدأ عبده بالتمثيل في هوليود و كانت بدايته بأدوار صغيرة لا تتجاوز مشهدين، لكنه لم يبالي و استمر يحاول إلى أن تم اختياره ليمثل إلى جانب “نيكول كيدمان” في فيلم “ملكة الصحراء” بعدما اقترحه “نيك راسلان” أحد منتجي الفيلم ، وجاء ذلك بعدما شاهد لمحة من أعماله فتم طلبه للمقابلة الأولى ومن ثم انتقاؤه من بين أربعة ممثلين رشحوا للدور ذاته، ثم دعي للقاء المخرج، الذي قرر أن يسند الدور إليه، ثم ما لبث حتى اصبح جهاد عبده شريكا لتوم هانكس في فيلم  “A Hologram For The King” ،وبعد تصوير هذا الفيلم ، قدم عبده طلب انتساب لعضوية نقابة الفنانيين الامريكيين ، حتى ذهل عندما تم الرد عليه سريعاً بالموافقة على طلبه، فأصبح جهاد اليوم زميلاً لكل مشاهيير هوليود.

فمن بعد رحلة الخوف والدمار وانكسار الوطن، يقف جهاد عبده اليوم في أكبر محفل سينمائي ووطنه لا يفارق حديثه لجلب تأييد كبار الفنانين هناك لولاءه و انتماءه لأرضٍ أنجبته و وضعت فيه  الثقة كي ينصرها بصوته و لسانه وصورته وأداءه، فهوالآن يعتبر وجهاً عربياً مميزاً يسطع في هوليود، ويحمل في خاطره رسالة مفادها أن الوطن لا يهزم ،وأنه باقٍ ، وأن الحرب لا تعرف فناناً كان الشخص أم مزارعاً، وأن الكفاح لا بد منه، كلٌ من موقعه، فالفنان يكافح بالفن ، والجندي يكافح بالبندقية ، والكاتب يكافح بقلمه، ليبقى للوطن صوت يفجر الطموح الساكن في أرجاء الروح الانسانية.

عن الكاتب

Profile photo of احمد الزيود

احمد الزيود

اترك تعليقاً