جوان رولينج ، الخيال بين أناملها حقيقة

 قدّمت للعالم الخيال وكأنّه حقيقة مطلقة، جابت عقول الناس صغارًا كانوا أم كبارًا، السينمات والمسارح ضجّت بكلماتها، ولم يبقَ شخص لم يدرك مفعول قصصها، جابهت الاكتئاب والظروف القاسية لتروي لنا قصصًا لم تكن عقولنا لتعي جماليّتها إذا لم تكن بقلمها، إنّها الكاتبة والروائيّة “جوان رولينج” مؤلّفة مجموعة قصص هاري بوتر الشهيرة.

ولدت رولينج في الحادي والثلاثين من شهر يوليو لعام 1965م في مدينة “جلوسيسترشير” الإنجليزية، عاشت الصغيرة جوان مع أختها التي تصغرها بعامين طفولة مليئة بالخيال في كنف والديهما، فقد كانت جوان منذ نعومة أظفارها تخطّ القصص من نسج خيالها وتقصّها على أختها الصغرى “ديان” التي كانت تهوى هذا، حتى أنّ الذكية جوان استغلت تلك الموهبة لديها وقامت ذات يوم بتأليف قصّة خيالية أسمتها “الأرنب” أخبرت فيها والداها كم تريد في نفسها أن تحصل على واحد، لم تحصل جوان على أرنبها إلا أنها حصلت على ثقة بنفسها أكثر فأكثر، كما وثقت أنّ مجال الكتابة هو مجالها لا محالة، وانتقلت جوان مع عائلتها إلى الريف الإنجليزي والتحقت بإحدى المدارس هناك بالرغم من أنّ جوّ الدراسة هناك لم يكن يروقها إلا أنّها استطاعت أن تحصل على الكثير من الأصدقاء من قصّها لقصصها الخياليّة عليهم أثناء أوقات الفراغ، بالرغم من كلّ الشغف الذي كان لدى جوان فيما يخصّ الكتابة القصصية الخياليّة إلا أنّها التحقت بالجامعة في تخصص بعيدٍ كلّ البعد عن هذا المجال فقد أخذت بنصيحة والديها في دراسة اللغة الفرنسية كي تعمل فيما بعد كسكرتيرة وباحثة في العاصمة لندن، لكن روح الكتابة عادت تؤرّقها أكثر وأكثر وتستولي على جلَّ تفكيرها، فاستغلّت وظيفتها التي تتيح لها استخدام جهاز حاسوب في كتابة قصصها الخياليّة، الأمر الذي أعطاها فرصة أكبر لتكتب عدداً أكبر من قصصها وبجهد أقلّ.

أدركت جوان فيما بعد عند بلوغها السادسة والعشرين من العمر أنّها لا تجد نفسها في تلك الوظيفة أبدًا، وبسبب وفاة والدتها التي كانت صغيرة في العمر تعرّضت جوان إلى صدمة نفسيّة جعلتها تشعر بأنّه لا بدّ لها أن تغادر البلاد إلى أيّ مكان آخر، وبالفعل هجرت أحزانها ومتاعبها النفسيّة والجسديّة في لندن لتسافر للبرتغال حيث عملت هناك كمعلمة للغة الإنجليزيّة،و لم يكن ذلك العمل أيضاً كما تهوى جوان إلا أنّه بصورة أو بأخرى كان ملهماً لها في نجاحها القادم، فقد استغلت جوان ساعات الفراغ الأكثر التي أتيحت لها في هذا العمل في كتابة قصّة الطالب اليتيم “هاري بوتر ” الذي نقل بقصته جوان من حياة إلى حياة أخرى تماماً دون أن تعي أنّها بكلّ سطر تكتبه من تلك القصة تكتب نجاحاً وثروة لها في كتاب الحياة، واستمرّت جوان في كتابة الجزء الأوّل من القصة، ثمّ ما لبثت أن ارتبطت بصحفي وتزوّجته وأنجبت طفلتها “جيسيكا” والتي اختارت لها اسم كاتبتها المفضّلة “جيسيكا متفورد”، إلا أنّها بعد مرور عام انفصلت عن زوجها الأمر الذي جعلها ترحل عن البرتغال متجهةً هذه المرة إلى اسكتلندا حيث كانت تقطن أختها الصغرى.

joanne-rowling

 

سافرت جوان إلى اسكتلندا مع صغيرتها وعملت هناك كمعلمة لمادة اللغة الفرنسيّة بعد أن جهدت في تحصيلها، وبالرغم من أنّ المبلغ الذي كانت تتقاضاه كان زهيدًا جدًا إلا أنّها استمرّت في العمل حتى تربّي صغيرتها إلى جانب تربيتها ”هاري بوتر” الخياليّ في أفكارها، واستمرّت جوان تكافح في جميع أدوارها رغم كلّ شيء، أمًا وكاتبةً ومعلّمة، وما بين كلّ ذلك استطاعت جوان أن ترسو بقصتها على برّ الأمان، بعد أن أتمّت طباعة القصة كاملة على آلة طباعة قديمة شرعت جوان في الترحال بين دور النشر علَّ إحداها تقبّل أن تنشر قصتها التي عاشت معها منذ أعوام، فتوالى الرفض من دور النشر لقصّة جوان حتى وصل إلى أكثر من اثني عشر رفضاً، لكن جوان لم تيأس، ولم تنطفئ مشكاتها، بل استمرّت تحاول من جهة في نشر قصتها وتقوم بكامل مهامها من جهة أخرى، وبعد عام من المتاعب والرفض تقبّلت إحدى دور النشر فكرتها ونشرت لها “هاري بوتر ” بعد أن تمّت تجربة عرضها على ابنة صاحب الدار ذات الثماني سنوات حيث تعلّقت تلك الصغيرة بالقصة وطلبت أن تقرأ بقيتها، الأمر الذي جعل والدها يوافق على نشر القصة طالما أنّ الفئة المستهدفة هي من الأطفال أصلًا، مع كلّ هذا وذاك رفضت دار النشر أن تضع جوان اسمها الكامل على غلاف الكتاب واكتفت باختصار لأوّل حرفين من اسمه.

لم تكفّ المتاعب عن زيارة جوان في حياتها قبل هاري بوتر فهاي هي الآن تزورها أيضًا وربما بوقعٍ أكبر فعندما أطلقت القصة في المكتبات الإنجليزية تعرّضت للكثير من النقد والرفض من قبل الجماعات الدينيّة، حتى أنّه في حفلها الأوّل الذي أرادت فيه جوان قراءة قصتها لم يحضر سوى أربعة أشخاص، ولكن لا بدّ للإنجازات الجيّدة أن تجد لها منفسًا داخل كلّ تلك الخانقات، فبعد شهور حصلت جوان على منحة من مجلس الفنون الاسكتلندي مكّنتها فيما بعد من الاعتماد على عائدات ما قدّمته وترك وظيفتها كمعلمة والتفرّغ الكليّ لاستكمال كتابة قصّة هاري بوتر، ثمّ جد جديد كأنّ طاقة الفرج قد فتحت لها، ففي يونيو عام 1997م طبعت دور النشر ألف نسخة من الكتاب بيعت كلّها لتحصل بعدها بخمسة أشهر على العديد من الجوائز والألقاب عن كتابها ذاك، ثم ليتمّ نشر الجزء الثاني من القصّة في عام 1998م، ثمّ توالت انتصارات الكتاب ليترجم الى أكثر من 65 لغة مختلفة، هناك حيث توالت الأفراح تزفّ لجوان واحدةً تلو الأخرى فبيع كتابها وجميع المجموعة التي جاءت بعده، ثمّ تمّ تصوير القصّة على شكل مجموعة أفلام ساهمت في نشر القصة أكثر فأكثر، ولتحصل جوان حينها على ثمار تعبها في كلّ تلك السنين السابقة على شكل نجاح، وشهرة، وثروة.

كانت الظروف المحيطة بجوان أشبه بقيود فولاذية تقيدها، الكثير والكثير من الميئسات والمحزنات وجوان صامدة تحمل حلمها على كفها و تمضي، فالاجتهاد الذي قامت به جوان استحقّت به أن تصل إلى القمة، القمّة التي اعتلتها بكلّ أحلامها التي كانت تريد تحقيقها، فاستطاعت جوان رغم كل كل شيء أن تنقذ قصتها مع الخيال من أن تذهب مع التيار، وبالمزيد من الطموح و الإصرار خطت لنا جدارية جديدة من النجاح على أركان هذا الكوكب، فهاري بوتر يا جوان جاب الأرض شرقاً و غرباً حتى أصبح اليوم علامة تجاريةً بحد ذاته.

عن الكاتب

Profile photo of رناد مجدلاوية

رناد مجدلاوية

طالبة تكنولوجيا ، اهوى الكتابة فالكتابة هي التصالح الأبدي بين الفكرة و تطبيقها ، و هي الهوية البيضاء وسط ظلام الكون ، وحينما نمزج تركيبتا التكنولوجيا و الكتابة نخرج بأكثر الأماكن قرباً الى قلبي و هو "موقع شخصيات"

اترك تعليقاً