دانيال فهرنهايت ، حرارة الطريق وحرارة النجاح

Profile photo of سجا العيسى
بواسطة سجا العيسى

الحرارة ضرورة من ضروريات الحياة، فالإنسان يعلم بمرضه من خلال حرارة جسده، نميز الفصول بدرجات الحرارة الدافئة والمعتدلة والباردة، نصهر الحديد والذهب وغيرها من خلال درجة حرارة معينة ودقيقة، كما و تصنع المواد المختلفة في المصانع باعتماد الحرارة الدقيقة ،و تتم الاختراعات والاكتشافات الفيزيائية والكيميائية والعلمية أيضاً  بدرجات حرارة دقيقة ،فكيف لنا أن نحقق هذه الأمور من غير مقياس حراري دقيق ! فالفضل الأول و الأخير في هذا المجال يعود الى المخترع الألماني “دانيال فهرنهايت” لإختراعه مقياس ووحدة فهرنهايت لقياس درجة الحرارة بشكل دقيق.

ضج صوت دانيال غابرييل فهرنهايت في هذه الدنيا وتنفس الحياة بخروجه من رحم أمه سنة 1686 تحديداً في الرابع والعشرين من شهر مايو، ولد في مدينة “غدانسك” البولندية، كان والده تاجراً غنياً ووالدته ابنة رجل أعمال ثري جداً أيضاً، لكن حياته و اخوته امتازت باليتامة والوحدة وتفكك أسرته حيث إنه الابن الأكبر لخمسة أولاد.

كان دانيال فهرنهايت قبل سنه الخامس عشر يعيش مع عائلته حياة عائلية طبيعية كباقي العائلات والأسر، إلا أنه في ذات يوم تناول والداه فطراً اتضح أنه مسموم فماتا على الفور، وأصبح دانيال واخوته أيتاماً وتفككت روابطهم الأسرية بوفاة والديهم، ليقوم الوصي عليهم بإرسال دانيال إلى”امستردام” عاصمة هولندا كي يعمل ويتدرب عندهم و يندمج في أعمال التجارة كما كان أبوه، إلا أن شغف دانيال ظهر في مجال آخر.

ظهر شغف دانيال فهرنهايت في قياس درجات الحرارة و ما تحتوي عليه تلك العلوم مذ أن استقر في “هولندا” و بالأخص عندما بدأت ثورة صناعة موازين الحرارة في “فلورنسا” تحديداً في عام 1640م ، و استمر يبحث هنا وهناك عن كل ما يخص تلك الأمور ، فذهب في عام 1707م في رحلة الى أوروبا و مدنها الرئيسيّة، التقى خلالها علماء وصانعي أدوات قياس آخرين، ومنهم عالم الفلك الدنماركي “أولاوس رومر” الذي كان قد وضع تصوّراً غير ناجح لمقياس حرارة، أمضى فهرنهايت معظم حياته في هولندا حيث خصّص نفسه لدراسة الفيزياء ولصنع أجهزة قياس دقيقة للأحوال الجوية.

فقام حينها بتطوير ميزان الحرارة بعد أن اخترع “جاليلو” الميزان على صورته البدائية فقد أضاف له دانيال فيما بعد محرراً دقيقاً يساعد العلماء على قياس درجة الحرارة باستخدام الكحول، ثم انتقل في اختراع وتطوير المحرر الخاص لميزان الحرارة لتحويله إلى محرر زئبقي ،  فتم بذلك اختراع أول محرر زئبقي ناجح و دقيق عام 1714م من قبل فهرنهايت مستفيداً بذلك من تجارب “جويلم امونتونز” على الزئبق.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح مخترع القنبلة الذرية ” إنريكو فيرمي”

بعد عام تقريباً من اختراع دانيال فهرنهايت للمحرر الزئبقي، توصل لاختراع مقياس أدق من سابقه يعرف بمقياس “فهرنهايت”، تصل بهذا المقياس درجة تجمد الماء فيه إلى درجة تساوي 30 فهرنهايت، حيث عدل عليها فيما بعد لتصبح بشكل أدق 32 درجة، كما و عدل أيضاً على درجة حرارة جسم الإنسان لتصبح 96 درجة على مقياس فهرنهايت، وقد امتدّت شهرته إلى ألمانيا وإنكلترا ثم الولايات المتحدة الأمريكية.

إلى الآن تستخدم جميع الدول التي تتحدث بالإنجليزية هذه الدرجة معتمدةً عليها على الرغم من تطور القياسات الحراراية التي ظهرت فيما بعد كـ (السيليسيوس) ، و يعزى ذلك الى أن هذا المقياس يعد الأكثر دقة من بينها ، كما و أنه يشير الى العراقة و الأصالة التي تتلمس فيها الدول الأجنبية جانباً من التألق في شتى المجالات. بالرغم من ان اكتشاف و اختراع فهرنهايت كان بسيطاً الى حد ما إلا أنه بقي إلى الآن إرثاً علمياً كبيراً ، يستخدم في بعض الدول و يستند عليه في كثير من التجارب الحديثة و غيرها ،فهو يعتبر ببساطته ضخماً لمستخدميه وللعلماء والصناع.

توفي دانيال فهرنهايت في هولندا عام 1763م، في السادس عشرة من أيلول، مات وبقي اسمه محفوراً على ألسن الناس عند استخدام الميزان و ذكر الحرارة إلى الآن، جابه الصعاب في الحياة البعيدة كل البعد عن الحنان و الرعاية في ظل أسرة تحتضن احلامه، وضع الشغف الذي زرعته نفسه فيه أمام ناظريه و خطا إليه كل يوم درجة، ليجعل من الجميع يذكره حتى بعد عشرات السنين، فليتنا نستطيع أن نحفر اسامينا لتستذكر الناس روحنا بعد موتنا ونصنع للأمة مجداً تعانقه روحنا في الملكوت السماوي.

عن الكاتب

Profile photo of سجا العيسى

سجا العيسى

اترك تعليقاً