رآي توملينسون ، في ثوانٍ غير التاريخ

Ray Tomlinson

أحد العباقرة الأوائل في الساحة التقنية،و صاحب الرسالة الأولى ،و البداية الأولى للرسالة العصرية التي يتناقلها أفراد العالم اليوم، هو الخطوة الأولى التي انطلقت منها كبريات شركات البريد الإلكتروني العالمية، ليكون بذلك بؤرة المراسلة و حجر الأساس لها ، إنه العبقري “ريمون توملينسون” أو المدعوَ بـ “رآي توملينسون” ، صاحب مشروع الرسالة الإلكترونية و التي أصبحت تؤول الى البريد الإلكتروني .

ولد توملينسون في عام 1941 ، في مدينة أمستردام في نيويورك الأمريكية مع عائلته، لتقرر العائلة بعدها الإنتقال الى قرية صغيرة في نيويورك،ليتلحق فيها بمدرسة “برادالبين” ، ثم و في عام 1963 حصل على شهادة البكالوريوس في العلوم من معهد البوليتكنيك “رينسيلار” ، هناك حيث شارك في برنامج بالتعاون مع “اي بي أم”، ثم ليلتحق في عام 1965 بعد تخرجه من معهد البوليتكنيك ذاك بمعهد “ماساتشوستس” للتكنولوجيا و ليكمل هناك تعليمه و هذه المرة في مجال الهندسة الكهربائية ، حيث قدم هناك نظام مخاطبة يحوي مزيجاً من الإشارات الرقمية و التناظرية ليكون أطروحة الماجستير خاصته ، و لتنتهي بذلك مسيرته التعليمية و تبدأ مسيرته العملية .

بدأ توملينسون في عام 1967 بالعمل في شركة “بي بي أن ” ، ليبدأ عبقري قصتنا هنا بالمجابهة في عالم التقنية حيث كانت أولى أعماله مع الشركة و مع وزارة الدفاع الأمريكية كبداية قويةٍ جداً، حيث أختارت الوزارة حينها طاقم عمل الشركة و الذي كان يضم توملينسون بين أعضاءه ليعمل الطاقم المناط به على تدشين شبكة محلية و هي التي أطلق عليها فيما بعد “آربا نت” و قد كان دور توملينسون فيها ينصب على تطوير نظام “تينيكس” والذي كان برنامجاً يقوم بإرسال ملفات عبرالـ “آربانت” ، كما و قد قام توملينسون أيضاً بتصميم برنامج بسيط لكتابة الرسائل ، كي يكون بدوره معيناً للعاملين في الشبكة على تبادل الأدوار و المهام دون الحاجة للوجود الفعلي ، أي بصورة أخرى مكن هذا البرنامج الموظف في الشبكة من ترك نص مكتوب على جهازه عند الانتهاء من العمل مثلاً للموظف الذ سيستلم العمل بعده ، مما قلل الوقت و الجهد على كليهما ، ليكون بذلك هذا المشروع الصغير الذي قدمه توملينسون بمثابة سابقة في ظلَ التطورات التي ما زالت نامية حينها ، إلا أن العبقري توملينسون لم يشعر بالرَضى التام الذي كان يطمح إليه ، فلا زال يجد أن هناك حلقة مفقودة بين برامجه التي قدمها للـ “آربا نت” ، لا زال يشعر بضعف التراسل في الشبكة و محدودية إمكاناتها ، الأمر الذي يعتبره توملينسون كفة ميزان خاسرة مقابل ما يحمله عقله من عبقرية ، لتنتج لديه حينها فكرة هجينة تجمع ما بين برنامجيه السابقين معاً ، فلماذا لا يقدم الآن برنامج رسائل يمكن ارساله لأكثر من جهاز كتطبيق فعلي لفكرة كلا البرنامجين .

Ray Tomlinson-2

الاختراع الجديد الذي قدمه توملينسون كان برنامجاً رائعاً أفاد الجميع إلا أن الفكرة التي لم تزل تغيب عن ذهن توملينسون هي أن الرسالة لا تحمل أي دليل على مكان إرسالها ، مما سيجعل منها نصوصاً تائهة وسط اشارات الشبكة و بين الأسلاك ، لتستغرق تلك المعضلة في دماغ العبقري توملينسون ما يقارب الـ 20 الى الـ40 ثانية فقط ، ليتمكن من حلَها مستخدماً حرفاً واحداً فقط ، و ليكن  “@ ” هو ذلك الحرف ، كما لو أنه يُقرأ ” آت ” أي دليلاً على عنوان هذه الرسالة ، و بذلك يكون قد اخترع توملينسون دون أن يدري ماهية الأمر، واحدة من سابقات التقنية التي غيرت وجه التاريخ ، و رسمت للبريد و الرسائل صورة جديدة بإطار حرفي متقن .

يعمل توملينسون الآن على تطوير برمجيات التجارة الإلكترونية، لجعلها أكثر أمناً ، كما و لا يزال يعمل في الشركة ذاتها شركة “بي بي إن” والتي قامت شركة “جي تي إي” في العام الماضي بشراءها ، كان تكريم توملينسون لا يناسب حجم الإبداع الذي قدمه أي بما معناه ، عدم ارتباط اسمه بهذا الاختراع الفريد من نوعه ، فبطبيعة الحال توملينسون لم يسجل اختراعه باسمه و لم يحفظ لنفسه حق ذكر اسمه مع كل مرة يذكر فيها البريد الالكتروني ، وهذا التصرف ليس بالغريب على شخص متواضع بشوش القلب مثله ، إلا أنه بالرغم من ذلك حصل على الكثير من الجوائز و التكريمات ففي عام 2000 حصل على جائزة من متحف الحاسوب الأمريكي ،و في عام 2001 حصل على جائزة من الأكاديمية الدولية للفنون و العلوم الرقمية ، ثم في 2002 منحته مجلة الاكتشاف الامريكية جائزة ع اختراعه ذاك ، و الكثير الكثير من الجوائز و العلاوات و التكريمات التي توالت عليه كل عام حتى وصلت آخرها عام 2012 .

بالرغم من بساطة التطبيق الأولي لفكرة توملينسون على شبكة حاسوب محلية هي الـ “آربا نت” الا أنها كانت كافية لتكون بداية قوية لتطبيقات و برامج و مواقع الكترونية تستخدم البريد الالكتروني كأساس لأعمالها ، من مثل عملاقة البريد الالكتروني “هوت ميل ” ، ليكن الاختراع الذي تم تدشينه في ثوانٍ المصدر الاول لأرباح عمالقة البريد الالكتروني ، لم يكن توملينسون يتوقع ذلك أبداً إلا أنه حدث و كان اختراعه أحد صواريخ التطور السريعة في سماء التقنية .

استطاع توملينسون الوصول بالعالم الى بقعة جديدة من التطور حَول فيها القلم و الورقة و ساعي البريد الى اشارات رقمية و حاسوب بلوحة مفاتيح و شاشة ، لتستطيع كل الرسائل التي احتاجت الأميال لتصل يوماً ما ،الى ثوانٍ أو بضعها حتى تصل ، فغيَر بذلك وجه التاريخ دون أن يدري ، فبعلمه و اجتهاده على الأفكار استطاع أن يحقق ما لم يحققه غيره ،فقد حقق الذي كان من المفترض تحقيقه لكن بمدة أكثر ايجازاً ، و كأنه قفز بالعالم قفزة زمنية من حقبة الورق الى حقبة الرقميات و الالكترونيات .

عن الكاتب

Profile photo of رناد مجدلاوية

رناد مجدلاوية

طالبة تكنولوجيا ، اهوى الكتابة فالكتابة هي التصالح الأبدي بين الفكرة و تطبيقها ، و هي الهوية البيضاء وسط ظلام الكون ، وحينما نمزج تركيبتا التكنولوجيا و الكتابة نخرج بأكثر الأماكن قرباً الى قلبي و هو "موقع شخصيات"

اترك تعليقاً