ستيفن هوكينغ ، كفاح مع الجسد

معجزة العالم الحديث وأكثر الشخصيات تخليداً للنجاح والعزيمة و الإصرار، من على كرسيه سار في العالم نحو التطور و التحضر، وخاطب الكون بنظرياته و انجازاته دون أن ينطق ، حمل العلم بين أصابعه و نشر المعرفة من وراء عدسات نظارته الزجاجية ، إنه عالم الفيزياء العبقري “ستيفن هوكينغ”.

ولد هوكينغ في الثامن من ابريل لعام 1942 ، في مدينة اكسفورد البريطانية ، لعائلة قديرة يحمل الأب فيها شهادة في الطب ، و الأم شهادة في الفلسفة ، الأمر الذي جعلهم يحثون أبناءهم على العلم و التعلم و الإبداع ، إلا أن تحصيل ستيفن الدراسي في صغره كان متدني ، و حتى في الثانوية كذلك ، كان والده يرغب في أن يدرس ابنه الطب، إلا أن ستيفن لم يكن يرغب بذلك ، كان يحصل على علامات متدنية في شتى المواد إلا أن علاماته في الفيزياء كانت شبه تامة ، كما و أنه يجد في نفسه دائماً حب الاستطلاع و البحث في  ما حوله ، فقد كان يحب دائماً تفكيك الأجهزة و إعادة تركيبها ، كرغبة منه لاستطلاع أجزاءها ، حيث انه كان يلقب بـ”اينشتاين” أيام المدرسة ، وكأن الناس حوله يضعون داخله حلم أن يصبح بالفعل اينشتاين العصر الحديث ، فقد استطاع أن يعيد للعبقرية هيبتها حينما حفر اسمه في صفحات التاريخ بعلمه و ابداعه.

درس هوكينغ الفيزياء كما أراد في جامعة أكسفورد و تخرج منها بدرجة الشرف الأولى، ثم أكمل دراسته العليا في جامعة كامبريدج و حصل على شهادة الدكتوراة في علم الكون ، هذا بالرغم من المرض الذي كان قد أصابه ، حيث بدأت علامته بالظهور عنده في سن السابعة عشر ، حيث بدأ يشعر أنه يتعثر و يسقط كثيراً دون أدنى سبب لذلك ،ثم و مع ازدياد أعراض المرض عنده ، تم تشخيصه و هو في عمر الـ21 بأنه مصاب بمرض التصلب الجانبي ، الذي كان يسبب له ضموراً في عظام جسمه و تعطيلاً لأعصاب بعض الأعضاء ، فهذا المرض كما وصفه الاطباء مرض مميت لا يقوى صاحبه على مقاومته أكثر من سنتين ، إلا أن هوكينغ لم يستسلم لهذا المرض الفتَاك أبداً بل على العكس أجبر المرض بعزيمته الحديدة على الانصياع له و لرغباته و أحلامه ، فلا زال لم يحقق كل ما حلم به منذ صغره ،و لم يشبع بعد من النجاح .

استمر المرض يفتك في أجزاء جسده حتى جعل منه مقعداً عاجزاً تماماً عن الحركة ، إلا ان هذا الأمر أيضاً لم يضعف عزيمة هوكينغ ، ثم و في اختبار آخر لعزيمته و إصراره أصيب بالتهاب رئوي تسبب له فيما بعد بفقدان القدرة على الكلام ، و كأن المرض يحاول أن يسكته عن العمل و النجاح ، و يكيد هوكينغ مرضه بعزيمته ، و يستمر بكل قواه أكثر و أكثر ، بروح طيبة يجابه كل المعيقات حتى يصل الى حلمه، فهو يعتبران المخزون العلمي الذي في صدره يجب أن يتحول الى قوانين و نظريات تضع الكون في الطريق الصحيح ، وتسهل على البشرية دراسة البيئة المحيطة بهم ، فقد قام هوكينغ بانجاز أبحاث في نظرية علم الكون ، و التسلسل الزمني ، كما ووضع العديد من النظريات الرياضية و الفيزيائية التي سهلت مجموعة من قوانين الفيزياء المعقدة لعلماء سابقين من أمثال غاليلو و غيره ،ناهيك عن الكتب التي قام بتأليفها من مثل كتاب تاريخ موجز للزمن الذي تحول الى فيلم سينمائي عام 1991 ، فقد كان أكثر الكتب انتشاراً و دخل بذلك موسوعة غينيس ، كما و تمت ترجمته الى 40 لغة مختلفة ، وفي عام 2007 قرر هوكينغ ان يخوض تجربة انعدام الجاذبية و بالفعل خاض التجربة في احدى طائرات البوينغ لمدة 25 ثانية، كل هذا وهو مقعد لا يقوى على الكلام حتى .

stephen-hawking-2
حصل هوكينغ على العديد من الأوسمة و الجوائز الكبيرة من مثل وسام هيوز للجميعة الملكية و جائزة وولف في الفيزياء ، و أصبح عضواً في الأكاديمية البابوية للعلوم ، و الكثير أيضاً ، و أثبت أن عجزه و مرضه و قلة حيلته لم تمنعه من أن يقدم للبشرية ما خلق ليقدمه ، وكأن الحركة عنصراً ثانوياً في اللعبة فدام أن رأسه لا زال يتنفس الحياة فلما لا يضع يده في إعمار هذا الكوكب ، فالإصرار و العزيمة تخلقان المستحيل ، فكثير من الأصحاء الأقوياء يضعون ساقاً فوق ساق و ينظرون للفشل على أنه العامل الأول لتدمير الأحلام.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح عالم الرياضات العبقري ”جورج دانتزغ“

ها هو هوكينغ يلتصق بكرسي كهربائي ، لا يستطيع أحد أن يفهم ما يقول أو أن يترجم كلامه ، لكنه يترجم أفكار نفسه و يفهم حروف عقله ، و يعي تماماً ماهية حلمه ، فيفجر الإصرار السكون في نطقه الى عمل دؤوب يجعل منه عالماً عبقرياً لا يمكن لأحد أن ينكر فضله في فهم قوانين الكون ، فالطبيعة الإلهية التي خلق بها بنو البشر تتمثل في كون أن النفس أكثر قوة من الجسد .

 فبالإصرار نستطيع تلين الحديد فكيف بجسد من لحم و دم ، فالكفاح الحقيقي ينبع من النفس لا من الجسد .

عن الكاتب

Profile photo of رناد مجدلاوية

رناد مجدلاوية

طالبة تكنولوجيا ، اهوى الكتابة فالكتابة هي التصالح الأبدي بين الفكرة و تطبيقها ، و هي الهوية البيضاء وسط ظلام الكون ، وحينما نمزج تركيبتا التكنولوجيا و الكتابة نخرج بأكثر الأماكن قرباً الى قلبي و هو "موقع شخصيات"

اترك تعليقاً