سيف الدين قطز ، من الرِّقِ إلى الولاية

Profile photo of وفاء محمد
بواسطة وفاء محمد

بطلٌ مغوار صدّ هجمات التتار ووقف أمامهم كالسد المنيع، قائداً لجيش مصر العظيم، حامياً بلاد العرب وأوروبا وسائر الأرض مما قيل عنهم أنهم أحفاد يأجوج ومأجوج، إنه “محمود بن ممدود” صاحب لقب “قطز” الذي عُرف به لبسالته في القتال.

قطز ابن الأمير ممدود ووالدته وجهان خاتون بنت خوارزم ملك بلاد ما وراء النهر (بلاد فارس الآن)، كان أبوه قائداً لجيوش المملكة الخوارزمية لكنه قتل على يد التتار.

نشأ قطز نشأة الأمراء وأتقن فنون القتال على يد خاله جلال الدين نظراً لإستشهاد والده وهو لا يزال رضيعاً في حروب المسلمين الأولى ضد التتار وكان اسمه وقتها محمود، لكن عاصفةً هبّت على المملكة حتى لاقى خاله نفس مصير والده على يد التتار، وقضوا على مملكته وأُسر الأمير محمود وبيع عبداً في السوق لأحد الأثرياء الذي أحسن تربيته وعلّمه اللغه العربية وحفظ القرآن والحديث، وبعد وفاة الثري تناقل بيع الأمير إلى أن وصل إلى يد عز الدين أبيك، وهو أحد أمراء مماليك البيت الأيوبي في مصر.

كان قطز شاباً وسيماً أشقر الشعر عفيفاً يغض بصره، وكان نزيهاً متديناً مواظباً على الصلاة والصيام والأذكار، ارتبط بامرأة من بني قومه ورزقه الله بابنتين لم يسمع لهما خبر بعد رحيله، نشأ قطز على الحمية الإسلامية وتدرب على الفنون الفارسية، كل هذه العوامل صنعت منه رجلاً لا يقهر، يستهين بالشدائد ولا يَرَهب أعداءَه، التربية الإسلامية العسكرية والتربية على الثقة بالله وبالدين وبالنفس كانت لها الأثر البالغ في حياة الأمير قطز رحمه الله.

وبعد أن تولى الملك عز الدين السلطة عين قطز نائباً للسلطنة، لكن في حادثة غير مسبوقة قُتل عز الدين على يد زوجته شجرة الدر التي قُتلت بدورها على يد جواري زوجته الأولى وتم تعيين السلطان الطفل منصور نور الدين ذو ال 15 عاماً حاكماً على مصر، إلا أن صغر سنه وجهله أدخلت مصر في صراعات كبيرة وطمع بها من حولها من الممالك البحرية، فوقف قطز في وجههم واستطاع أن يرد أذاهم وحفاظاً على هيبة مصر إتخذ قراراً جريئاً بعزل السلطان الصغير وتولي العرش مكانه سنة 657 هجرياً.

منذ وقت استلامه العرش بدأ يعد العدة للقاء التتار، وحصل على تأييد الجميع فوقفوا متراصين خلفه: شعباً وأمراءً وعلماء، وفي صبيحة يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة 658 هجرياً انبثق يوم جديد من سهل عين جالوت بشمسٍ ساطعة لم يسبق لها مثيل، إذ التقى الجيشان: المسلمين والتتار، وقاتل قطز بكل جوارحه إلا أن هزيمة كادت تلحق بالمسلمين وأصابهم اليأس وزلزلوا زلزالاً شديداً، ربما كانت هذه اللحظات أكثرها حرجاً في حياة الجيش الإسلامي، إلا أن نفس قطز الأبية لم تعهد الإستسلام واستمد قوته من إيمانه بنصر الله، أصبح ينادي في المسلمين ويدعوهم للثبات في أرض المعركة ثم أطلق صيحته المشهورة والتي اشعلت الحماسة في نفوس المقاتلين: “وا إسلاماه، وا إسلاماه، وا إسلاماه” ثم قال في تضرع :”يا الله ! انصر عبدك قطز على التتار”.

تمثال لسيف الدين قطز

وكأن معجزة حدثت، وكأن الله أمد المسلمين بجيش من عنده ينصرونهم ضد التتار، حتى خارت قوى التتار الذي لا يقهر وقضى المسلمين تماماً على ذاك الجيش وانتصر الجيش الإسلامي العظيم.

اقرأ ايضاً : قصة الشيخ الفلسطيني المجاهد “أحمد ياسين”

لكن الحكاية لم تنتهي هنا، والأعداء الحقيقيين هم من لبسوا لباس الأصدقاء وتمثلوا بصورة “الأصدقاء”، لم يكن قطز يدرك أن مقولة احذر عدوك مرة وصديقك ألف مرة تنطبق عليه، ولم يتوقع في لحظة أن من ائتمنه على ظهره حين كان مشغولاً في قتال التتار سيطعنه من الخلف، كان المشهد الأخير من قصة بطل معركة عين جالوت مثيراً للشجن والتأمل حزيناً أشبه ما يكون لصدمة غير متوقعة من أقرب الناس إليه، فحينما كان السلطان قطز في طريقه إلى القاهرة التي كانت تنتظره على أحر من الجمر لتستقبله أيما استقبال بما يليق بجلالته، كانت مؤامرة تحاك ضده من جانب آخر نفذها شركاؤه في النصر الذين استكثروا عليه رؤية نشوة النصر في عيون مستقبليه، وترقبوا له خروجه للصيد مبتعداً عن رجاله ظنّاً منه أن الخطر الوحيد هو التتار وقد زال، لم يحسب حساب من تنكروا له بهيئة الحرس.

تقدم قطز وحده ليصطاد الأرنب وتبعه بيبرس وبعض الأمراء ممن تآمروا عليه، طلب بيبرس من الأمير امرأة من سبى المغول فأجابه بالموافقه، ثم أظهر بيبرس شكره وتقدم ليقبل يد الأمير، وكانت تلك إشارة بينه وبين الأمراء، حتى لم يكد قطز أن يمد يده فقبض عليها بيبرس ومنعه من الحركة وهوى عليه بقية الأمراء بسيوفهم حتى أجهزوا عليه.

وبذلك انتهت قصة السلطان صاحب لقب قطز المعني بـ”الكلب الشرس” الذي حصل على اللقب من أعداءه المغول لقتاله الشرس في المعركة، انتهت على يد أصدقاءه الذي ضمروا له في أنفسهم الحقد والحسد، لكن الأمير بيبرس ندم أشد الندم على قتل صديقه قطز بعدما حدث كثير من سوء الفهم بينهما، وتبين له أنه كان على خطأ، فأعلن ذلك في شجاعة وبسالة وخدم بالعدل والإصلاح في مملكته تكفيراً عن ذنبه.

في نهاية الأمر انتهت حياة البطل قطز، الذي رغم قصر حكمه إلا أنه رفع من شأن البلاد عالياً ومات وعلى رأسه تاج النصر، تخلّد ذكره إلى وقتنا هذا، طالما أنك تسير في طريقك لا تخشَ أحد، كن واثقاً من قدراتك مهما أحاط بك الفشل، فطريق النجاح مليء بالشوك سينخزك حتماً فلا تستسلم له، بل اجعله حافزاً للوصول لأهدافك.

عن الكاتب

Profile photo of وفاء محمد

وفاء محمد

اترك تعليقاً