صادق خان ، السياسة في ملعبه

اسم غربي شرقي، تردد على مسامع الساسة منذ مدة وجيزة، لكن خفايا ذلك الاسم لازالت تختفي خلف الكواليس، خاطب الجهل اتجاه تقبل الآخر بلغته الخاصة كي يتوج التحرر المنضبط بصورة جديدة، خاطب العالم بنظرته البسيطة العميقة، واعطى الوعود الكثيرة بأن يكون الأنموذج الأصعب في لعبة السياسة التي تدور في الجوار، أعطى جهده الفطري السليم، فجائت كل الأصوات مؤيدةً إياه بصورة أو بأخرى، إنه السياسي المناضل “صادق خان”، رئيس بلدية لندن الجديد.

ولد صادق أمان خان في المدينة البريطانية “توتينغ” في الثامن من شهر أكتوبر لعام 1970، لأب وأم من أصول باكستانية مسلمة، عاش حياة البساطة التي كانت تعيشها جميع الطبقات الكادحة في المجتمع ضمن أسرة وأشقاء يبلغ عددهم ستة، كان والده يعمل سائقاً لحافات الأجرة في شوارع مدينة لندن الباردة.

درس في مدارس “إيريست بيفن كوليدج” والتي كانت بدورها ترضعه القساوة والمرَ من زاوية ما، والتوجه السليم لميولاته الفطرية من زاوية أخرى، فقد كانت المدرسة قاسية خصيصاً لأنها تحوي الذكور فقط بين صفوفها، اختلط صادق خان بزملائه في المدرسة وعاش ضمنهم، مكتشفاً في خضم تلك الزمالة ميوله السياسي نحو العناوين الساخنة والأخبار العاجلة، وربما المواضيع التي تضع قارئها على المحك.

خاض صادق خان غمار الشغف الذي كان بداخله، فبدأ يبحث هنا وهناك عن المواضيع السياسية التي يحبها، حتى وجد أن المكان الأنسب له كي يحط رحاله فيه في ظل تلك المشاوير الطويلة بين المواضيع السياسية التي أحبها، وقد كان “حزب العمال” الذي انضم إليه وهو ابن الـ15 عاماً هو الملاذ الأول له، وربما الأكثر أهمية في ظل المحطات القادمة في حياة خان.

كان صادق يحب السياسة إلا أنه يميل لدراسة العلوم والرياضيات كي يتقنها جيداً، رغبة فيه لتحضير نفسه لمراحله القادمة لدراسة “طب الأسنان”، إلا أنه ربما كان مخطئاً في خياره ذاك، فلا يجد أحد فيه سوى كونه سياسياً محنكاً، يجادل هذا ويناظر الآخر بتفكير منظم وعبقرية مهنية عميقة.

لفت أحد الأساتذة نظر صادق الى كونه مناظراً ناجحاً، فكانت تلك لفتة ذات أهمية كبيرة، فقد وعَت صادق الى شغفه الأول ومستقبله التالي، الذي كان دراسة القانون، وبالفعل درس صادق القانون في جامعة “نورث لندن” وتخرج منها محامياً مجتهداً أكاديمياً وعملياً وثقافياً، ورمت به الجامعة حينها الى الشط كي يكمل الطريق الوعر حيث الضفة الأخرى من النهر.

صادق خان

كان خان جاهزاً تماماً لما يسمونه النجاح، فمن محطة الى أخرى بدأ يقفز ويتدرب ويتعلم هنا وهناك، حتى صقلت مهاراته تماماً كي توازي في حدتها الأمواج الصعبة القادمة نحوه، ففي 2005 أصبح خان عضواً رسمياً في مجلس العموم البريطاني ممثلاً عن حزب العمالة نفسه الذي انضم إليه قبل سنوات في صباه، كانت تلك أولى محطاته في طريق السياسة الذي يعد اليوم الأصعب على الإطلاق.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”

وكعادته أثبت صادق خان نفسه في ذلك المكان، وتميزت جميع خطاباته بالزرانة والفصاحة والخطابة، وكأن دور السياسي فُصِل تماماً على مقاسه، خاض خان في ذلك المنصب مجموعة صعبة من المبارزات، أثبت فيها جميعاً سلامة أفكاره، ونصرته للحق والحريات طالما أنها لا تتعدى في تطبيقها حريات الآخرين، ناصر المظلومين والمنبوذين، وحزم الأمور التي كانت بحاجة الى رأي صواب، ضم العديد من العامة أصواتهم لصوته ودعموه معنوياً كي يستمر هو بدعمهم صوتاً وصورة من على كرسي منصبه السياسي المتواضع ذاك.

توالت المناصب السياسية التي تولاها خان، فمن مستشار الدولة في البرلمان، إلى وزير الدولة لشؤون المجتمعات، ثم وزيراً للنقل والمواصلات في 2009، عاد ليشغل منصباً في مجلس العموم، وهكذا حتى وصل به الحال للمنافسة على كرسي رئيس بلدية لندن، ليكون بها أول مسلم يصل لذلك المنصب في لندن.

نادى صادق خان بالعدالة والمناصرة لحقوق العمال والطبقة الكادحة، ضد منافسه البريطاني المليونير “زاك غولدسميث”، كان الجميع يتوقع أن الطبقة الثرية التي جبل منها منافس خان، ستتغلب بالتأكيد على الطبقة الكادحة التي لطالما نادى بها وامتطى كل ماهياتها خان، لكن جميع التوقعات باءت بالفشل، وبالفعل حصل صادق خان على ذلك المنصب، ليكون أول مسلم يصل لذلك الكرسي صعب المنال، ربما لأن الشعوب تتحسس الطمأنينة في الاسم أولاً ثم في الخلق ثانياً ثم في التصرفات والوعود والإثباتات ثالثاً، فهو مسلم يحمل الهوية الأكثر سلاماً في هذا العالم شاءت المنافسات الشرسة الأخرى أم أبت.

حصل صادق خان على منصبه السياسي ذاك بكثير من الإجتهاد الذي واصل على إعطاءه جلَ وقته و جهده، فقد جابه الكثير من منغصات النجاح التي قد تطال يدها هدم أي بناء كان، حتى لو شارف البنَاء على وضع اللمسات الأخيرة فيه، إلا أن صادق خان، اسمٌ على مسمى، كان صادقَ الأمل، وصادق الإيمان، بهويته وقدرته وتصوراته الكثيرة التي ربما يحرم أحدنا نفسه منها، فالأحلام لا تستطيع أن تراودنا أو تتبادر الى أذهاننا إلا إذا منحناها نحن تلك القدرة، وطالما أننا منحناها ذلك، اذاً بإمكاننا أن نمنحها الحق الأكبر في تحويلها إلى حقيقة ملموسة، كل منا لديه ما يقدمه، والكون ما زال بحاجتنا، فلنستيقظ ونعد له صفوف انجازاتنا.

عن الكاتب

Profile photo of رناد مجدلاوية

رناد مجدلاوية

طالبة تكنولوجيا ، اهوى الكتابة فالكتابة هي التصالح الأبدي بين الفكرة و تطبيقها ، و هي الهوية البيضاء وسط ظلام الكون ، وحينما نمزج تركيبتا التكنولوجيا و الكتابة نخرج بأكثر الأماكن قرباً الى قلبي و هو "موقع شخصيات"

اترك تعليقاً