عباس محمود العقاد ، العبقرية أوصلته للمجد

أخذ من كل درب مَشاه حجراً ليضع به أساساً يمشي فيه لمجده العظيم، بَنى نفسَه بنفسه حتى صنع مدرسة باسمه، قَدس العِلم أينما كان حتى دَار يبحث عنه بشَغف طفل صغير، لم يوقفه عجزه عن إكمال تَعليمه أو قلة الموارد حَوله بل وقف مُجابهاً أكبر المتعلمين أنذاك حتى أثنوا بذكاءه الكثير، رحل أخيراً تاركاً خلفه أشكال كثيرة من حروف أدبه التي وضُعت في مدرسته التي عانى في تشّيدِها، إنه الأديب المصري “عباس محمود العقاد”.

ولد عباس محمود العقاد في 28 حزيران عام 1889، بصعيد مصر في مدينة أسوان، لعائلة متواضعة، عمل جده في مصنع للحرير لذلك سمي “العقاد” أما أباه فكان موظفاً في الحكومة لإدارة السجلات، نشأ في ظل تربية مفعمة بالعطف والحب ذاك الحب الذي كَن له أعمق المشاعر وظل شاكراً له طول حياته.

التحق بالتعليم الابتدائي وكان شَغوفاً للعلم فلمَا تعلم القراءة صار يقرأ كل كتاب يقع بين يديه فعشِق اللغة العربية، أجاد في حينها الاملاء وعَرِف الحساب ومشاهد الطبيعة واللغة الانجليزية.

في أحد الأيام زار الشيخ محمد عبده مدرسته، وأخذ يطلع على كُراسات الطلبة، شده كُراسة العقاد، فأخذ يتصفحها متبسماً مناقشاً إياه بمواضيعها حينها ألتف إلى الاستاذ وقال “ما أجدر هذا الفتى أن يكون كاتبا!”، خلال فترة تعلمه كان يرافق والده الى مجلس “أحمد الجدواي” وهو أحد علماء الأزهر الذي تميزت مجالسه بالعلم والآدب فأحب الطفل فيه ذاك المجال وبدأ يسعى إليه.

عام 1903 أنهى عباس محمود العقاد تعليمه الابتدائي، ولم يكمله في القاهرة كما يفعل الأعيان لقلة موارد أهله، فاتجه للعمل في السكك الحديدة والحرير، لكنه لم يترك التعليم بل كان ينفق كل نقوده في شراء الكتب، فعَكِف يثقف نفسه من خلالهم حتى كانت مكتبته تحوي فوق الثلاثين ألف كتاب، وأتقن اللغة الانجليزية من خلال مخالطته مع السياح المتوافدين إلى اسوان والأقصر، كما وأحب نظم الشعر.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح الأديب المصري “نجيب محفوظ”

عمل في وظيفة حكومية في القسم المالي لمدينة “قنا” عام 1904، لم يحمله العمل بعيداً عن شغفه فخلال عمله تكررت زيارته للقاهرة قوَى فيها صلته بالادب والفن، تنقل من وظيفة لأخرى ولم يمكث طويلاً في أي منها لبغضه للعمل الحكومي كونه لا يتسع للأدب والطاقة التي فيه.

الصحافة كانت مكاناً احتوت قلمه وحروفه و اصراره للنجاح، في عام 1907 كتب مقاله الشهير بعنوان “الاستخدام رق القرن العشرين”، عَرف من خلاله أن الكتابة انتمائه الصحيح تعاون مع “محمد فريد وجدي” في إصدار جريدة “الدستور” وحمل معه عبأ الترجمة والتحرير والتصحيح من العدد الأول للأخير، إلى أن توقفت الجريدة عن الصدور ذاك الامر الذي اجبره مُكرها ان يعود للعمل الحكومي ليجد قوت يومه إلى جانب التدريس.

الأديب المصري عباس محمود العقاد

تنقل بعدها من جريدة لأخرى عرف في تلك الفترة السياسة وأصبح الكاتب الاول والمدافع عن حقوق المواطن والاستقلال في”الحركة الوطنية” ووقف مع “حزب الوفد” مناضلاً ومدافعاً عنه ضد خصومه من الاحزاب، وآخر محطة له كانت جريدة البلاغ التي ارتبط اسمه فيها وذاع صيته من خلالها حتى اُنتخب عضواً لمجلس النواب ذاك المنبر الذي عَلا صوته فيه ناصراً الحق واقفاً مع الشعب حتى أرد به الأمر سجيناً لـ9 أشهر بتهمة العيب في الذات الملكية.

حتى أبواق النازية وضعت العقاد في لائحة المطلوبين لأنه وقف معارضاً سياستهم في الحرب العالمية الثانية حتى ما ان اقتربوا من الاراضي المصرية، هرب بعيداً الى السودان خوفاً من عقاب هتلر ولم يعد الى ان انتهت الحرب، التأليف كان بوابته المريحة بعد أن خرج من حزب الوفد أثر مشاكل معينة، وبدأ نشاطه الصحفي يقل تدريجاً، كتب في شتى المجالات من سياسة واجتماع وأدب وتاريخ حتى الترجمة والمرأة.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح الدكتور “مصطفى محمود”

من الهامه بمشاهد الحياة اليومية والبيئة المصرية كتب العقاد في الشعر حيث له 10 دواوين مختلفة نشرت في كافات الصحف والمجلات وضع فيها خبرة الـ50 عاماً التي قضاها في التجربة الشعرية، كتابته لم تكن فيض مشاعر انما “فيض العقول” -كما قيل- لأنه اتخذ ما يفكر فيه حبراً ينكب على الورق.

خاض من المعارك أدبية ما لا يعد تلك التي جعلته يَنهم بكل ما أتى من وقت للقراءة والكتابة منها معاركه مع “الرافعي” في موضوع إعجاز القران ومعاركه مع “طه حسين” والشاعر “احمد شوقي” والكثير، كان أكبر من دافع عن الاسلام حقق انجازاً رهيباً في مجال الدفاع عن قيمه ومذاهبه بحججه الصارمة واضعاً الذي امامه في خانة الشك وازن بين الاسلام وغيره من الديانات حتى انتهت موازنته بشمولية الاسلام وخلوه من الشوائب، ألف الكثير من الكتب لشخصيات اسلامية مؤثرة مجسداً اخلاقه واعماله.

توفي الأديب العظيم عباس محمود العقاد في عام 1964 تاركاً تراثاً عظيماً ومكتبة تضم مئات الكتب التي ألفها وآلاف المقالات وعدد لا يحصى من كتب قرأها ذات يوم، رحل دون أن يتزوج حاملاً معه قصة حبه الوحيدة لـ”سارة”.

العقاد كان قصة في الإصرار كان لمسة سِحرية من الإرادة والجَد داس على الفقر حتى وصل لمرتبة ضخمة ما هاب الظلم بل اتخذ من كتابته سيفاً يقطع رأسه به، العقاد كان ولا زال فخراً لنا في كل أثر وقشعريرة تسري في جسد قارئ لكتاب من كتبه.

عن الكاتب

Profile photo of غيداء اللحام

غيداء اللحام

اترك تعليقاً