فينسنت فان غوخ ، ثروة بعد الموت

vincent-van-gogh-2

اسم عظيم دائماً ما نجده يتردد في عالم الفن التشكيلي، اسم لأحد أشهر الرسامين في العالم، عَبر عن واقعه المؤلم وحياته الصعبة عن طريق فرشاته الخشنة وألوانه الملفتة للنظر، الفنان المُعذب صاحب الشخصية الغير مستقرة، التي كانت تخفي خلفها فنان عملاق أبدع العديد من الأعمال الأستثنائية، ليحظي بإعجاب وتقدير كل عشاق هذا الفن، هو الرسام الأكثر شهرة فى دول اوروبا وامريكا حتى فى دول العالم النامي، فلا تجد لغة لم يصدر بها كتاب يحكي عن قصة حياته، أو متحف لا يحوي لوحة من لوحاته، هو الرسام الهولندي المبدع “فينسنت فان غوخ”.

وُلد فى ثلاثين مارس عام 1853، أمضى طفولته في قرية بجنوب هولندا في المنطقة الريفية،  ابن لعائلة محترمة كان مستواها المادي جيداً، كان والده ذو شخصية معروفة فقد عمل كاهناً لتلك القرية التي سكنوها ، نشأ في منزل من منازل الطبقة المتوسطة بين ستة من الاخوة، بتجاهله للمجتمع وقناعاته استطاع أن يكون رابط قوي مع الطبيعة منذ سن مبكرة، ففي طفولته كان يخرج في نزهات طويلة وحده وسط الريف الهولندي، بالنسبة له كان اكتشاف الطبيعة صدمة جمالية كأنها عالماً جديداً ظهر له من بين ترهات عقله عتيد التفكير.

في عمر الحادية عشر عُزل فينسنت بوحشية عن كل محيطه، ونزهاته في الهواء الطلق باتت من الماضي، فكان والده يريد أن يعيده في كنفه تحت عينه أينما ذهب، لكن شخصاً مميزاً مثله كان يرى في العمل والطموح قسيمتين أساسيتين للنزوح الى عالمه الخاص، شكلت مدرسة القرية عقبة في طريق والده حيث كان يرى أن الإختلاط بأبناء الفلاحين ومدرسه المعروف بشرب الخمر سيمثل عائقاً في بناء مستقبل أفضل لأبنائه، فقررت الأسرة نقله لمدرسة داخلية وتركه اهله هناك وغادروا، تم نقل الطفل الذي أمضى طفولته في الهواء الطلق إلى مدرسة تبعد عن الريف مسافة كبيرة فكان الأمر بمثابة السجن بالنسبة له، خلال سنوات مراهقته التي أمضاها في المدرسة الداخلية أنغلق فينسنت على نفسه، حالماً بجنته الضائعة التى سيسعى لإستعادتها لاحقاً في حياته من خلال لوحاته، كان يجد ملاذه في الكتب فنهل منها الكثير الكثير، وما إن وصل فينسنت السادسة عشر تولت أسرته مصيره مرة أخرى.

في عام 1869 تم إرسال الشاب إلى العاصمة حيث مكث هناك مع عمه تاجر اللوحات الشهير، في ذلك الوقت أُرسل فينسنت إلى فروع عده لبيع اللوحات كقصر باريس، كان فينسنت قد بدأ سلسلة مراسلات مع أخيه لبيع اللوحات حيث كان تاجر أعمال فنية شاباً، في عمر التاسعة عشر استمتع فينسنت باستكشاف لندن وطبيعة الحياة الإنجليزية والفن، ولكنه لم يكن مرتاحاً للجانب التجاري، فكان الربح من الفن قد بدأ بإزعاجة، فكان يرى أن الفن قيمة روحية ولم يكن من الممكن الإستمرار في بيعه.

vincent-van-gogh-4

شعر فينسنت أن مستقبله لم يعد أبداً في سوق الفن، فمدفوعاً بالنصوص الإنجيلية التي قرائها بلا كلل قرر أن يقدم نفسه روحاً وجسداً للدين، كان عمره 23 عاماً حين تخلى عن كل شيء وسعى وراء إعتقاده بأنه سيصبح واعظاً، وأخيراً تمكن من الإلتحاق ببعثة انجيلية في بلجيكا قرب منجم للفحم، فكان يرى أن عامل المنجم أكثر الأشخاص حاجة للوعظ الديني، كان فان غوخ مفتوناً بهذة الأجواء، ولوصف ما شعر به بدأ يرسم مشاهد العمل اليومي وسط الفحم، كان فخوراً بما يكفي لإرسال لوحته الأولى لأخيه. كان فينسنت يمر بأزمة عصيبة وبدأ تعصبه الديني يقلق كبار الشخصيات في المنطقة، عندها توجه والده إليه لينصح ابنه، قرر فينسنت وقتها أن يتخلي عن كل شيء و كان عمره وقتها 27 عاماً، وكان مرة أخرى على موعد مع تغيير حياته بشكل جذري.

مشى فان غوخ بفخر وهو يحمل لوحاته تحت ذراعه ونصب عينه هدفاً واحداً أن يصبح فناناً، ففي العاصمة البلجيكية سجل فينسنت في أكاديمية الفنون، ولأنه لم يمتلك وقتها المهارات الأساسية فقد شكك معلموه في موهبته بالكامل، وحين اتطلعوا على لوحاته التي تظهر سذاجة كبيرة لم يصدقوا أنه يمكن لمثله أن يبدأ حياته المهنية كفنان في هذا العمر المتأخر، لذلك ترك فينسنت دروسه وبدأ يعمل بلا كلل على تدريب نفسه، كان ينقل رسومات وجدها في كتب التدريب بلا ملل حتى يتقن رسم الأبعاد، كان يعمل ليلاً ونهاراً وكرس نفسه لذلك تماماً فأخرج نماذج وروائع كلاسيكية.

كان فينسنت يعلم أنه لن يصل إلى مبتغاه وحده، ليعزر من تدريبه سعى لنيل المساعدة من الرسام الهولندي المعروف وقتها “أنتون موف” كان رساماً يميل للحداثة كما ظهر بوحاته، ولأن الطالب بدأ يحرز تقدماً سريعاً راودت مدربه أنتون فكرة تعليمه الرسم بألوان الزيت التي كانت مفتاح نجاحه الأول ، كان المدرب سعيداً بأول لوحات فان غوخ وهو في عمر الثامنة والعشرين، عرف أنتون وقتها أن فينسنت سيكون رساماً جيداً.

فر فينسنت إلى الريف الهولندي وبدلاً من رسم لوحات الطبيعة فضل التركيز على حياة الناس البسطاء الفلاحين، أمضى سبعة أشهر في إعداد ما تصور أنه سيصبح من روائه إنها مئات الرسومات التي تصف الفلاحين الفقراء كما يراهم هو، وبعد الكثير من العمل الشاق استطاع أن يكمل لوحته “آكلوا البطاطا”، أعتبرها فان غوخ لوحته الأولى تلك اللوحة التى صدم بها العالم، فقد كانت تمثل مآدبة لبؤساء الارض، لكن هذا النوع من الاعمال لم يثر إهتمام الكثتير من الناس، فترك الريف مفلساً يائساً.

أصيب فينسنت بمرض الزهري، بعدها علم أن لديه بضع سنوات ليحياها، فبدأ برسم لوحة رأس الهيكل العظمي والسجارة المشتعلة حقق فان غوخ في لوحته تلك ما لم يحققه أي فنان قبله، كان الرسام يحدق فى وجه الموت بسخرية تحت ضغط المرض ونقص المال، لم يكن أمامه سوى باب واحد هو الإنضمام لأخيه الذي كان يدير معرضاً كبيراً للفنون في باريس، أمضى فان غوخ وقتاً كبيراً يتجول في باريس في معارض اللوحات هناك، أصبح فان غوخ الرسام المشهور فينسنت والآن بات هناك توقيعاً يظهر في أسفل اللوحة، فمنذ ذلك الحين أصبح فينيست يوقع لوحاته بإسمه الاول “فينسنت”، كان واثقاً من فنه ورغم ذلك كانت التعاسة تلازمه و عالمه و تفكيره ، فآهات الطفولة لا تزال تعم تفكيره ، و آهات حاضره تعم العالم حوله أيضاً.

18088433_303

في فبراير عام 1888 ،غادر فان غوخ على عجل ،ظلمة باريس وكان رحيله الأخير، كان العد التنازلي قد بدأ لهذا الفنان الذي أنهكه المرض، في الخامسة والثلاثين كانت أمامه سنتين فقط ليعيشهما سنتين صارع خلالهم لإنتاج اللوحات ورسم أفضل روائعه، عانى من لامبالة الناس اتجاه أعماله، شعر بالوحده فكان يعيش وحده في منزل وسط القرية، شاعراً بالرفض من المجتمع ومطارداً بمرضه العصبي، قبل فان غوخ أن يتم إيداعه في مصحه، لم تتحسن أحواله في العزلة بل زادت حدة أزمته كثيراً، كان فينسنت يواصل الرسم رغم كل أزماته.

من المصحة إلى المنية التي كانت قد اقتربت ،غادر الرسام أسوار الدير إلى غرفة في نزل صغير، ليفارق الحياة الى الأبد في 29 يوليو عام 1890 عن عمر يناهز السابعة والعشرين، كان مهمشاً في حياته وبقي منبوذاً بعد وفاته على حافة مجتمع لم يتقبله أبداً، قيل أن فان غوخ رسم أكثر من 700 لوحة في أقل من 10 سنوات دون أن تشهد أي منها أي نجاح خلال حياته، استمر هذا التجاهل حتى عشرينات القرن العشرين بعد وفاته بحوالي 30 عاماً تم إعادة إكتشافه وعشقه الجمهور لدرجة أدت إلى هوس به في سوق الفن، أصبح فان غوخ منذ ذلك الحين واحداً من أروع الأساطير في الرسم الحديث.

عاش فان غوخ حياته بين التشرد والبؤس، عاش مطارداً من المرض، منبوذاً من المجتمع، استمر في رسم أكثر من 700 لوحة دون أن يجد منهم أي نجاح، استمر في رسم اللوحات لأنه لم يكن يهتماً بما يراه الناس، استمر في رسم اللوحات لأنه لم يلهث يوماً وراء المال، استمر بالرسم لأنه كان يستمتع به كان يستمتع بالعمل، استمر في طريقه لأنه كان يؤمن أن شيئاً عظيما سيتحقق يوماً ما سواء في حياته أو بعد موته، كان يؤمن أن ما يقدمه من فن سيجعله على رأس جميع الرسامين، لم يبالي بالتهميش قدر ما أعطى للحلم المعتق في قلبه قدراً كبيراً ، و كان له ما تمنى رغم أنه لم يحضر ذلك ،إلا أن تحققه لحد ذاته مفخرةً له حتى بعد أعوام و أعوام.

عن الكاتب

Profile photo of احمد عبد الغني

احمد عبد الغني

أحمد عبدالغني مدون مصري 20 سنة ،
"لا علاقة للنجاح بما تكسبه في الحياة أو تنجزه لنفسك، فالنجاح هو ما تفعله للآخرين".

اترك تعليقاً