كارولوس لينيوس ، أمير النبات

ربطَ توقيعهُ تحت اسم كل نبتة فغاص بعلمه حد التشبع حتى فاض بهِ يُعلم مَن حولِه، فكان الأب لتصنيف النباتات وشاعراً يقظاً لمشاهد الطبيعة وأصواتها وطبيباً حمل بين يديه الشفاء ،إنه العالم السويدي “كارولوس لينيوس”.

ولد كارولوس لينيوس في الثالث عشر من شهر مايو عام 1707 بمزرعة في أحد الأرياف جنوب السويد في مدينة “فيكشيو” لعائلة فقيرة، فلم يحظى بالرفاهية كأي طفل آخر، أراد والده أن يكون قسسياً حين يكبر لخُصَله الطيبة لولا أنه كان له ميولاً آخر فرفض ذلك ورأى طريقة أخرى لشُكر الخالق ،وتَمعن في لحظات الحياة الجميلة موقناً أن من يكفر بالإله شخص جحود .

بدأ بالتعليم الابتدائي حين كان في الـ 10 من عمره في مدينة “فاكسيو” وأحب تعلم اللغة اللاتينية كونها لغة الأم فتَعلمها خارج المدرسة، كان كارولوس لينيوس يحب الزراعة والاشجار والازهار الغريبة ذاك الأمر الذي جعل منه مزراعاً ماهراً جداً فلم ينتهِ حبه للنباتات ابداً حتى انه كان يهرب من المدرسة لجمع عينات نبات من المزراع والغابات فكانت لعبته المفضلة في صباه هي غرس الأشجار والأزهار حول مسكنه كأنها تسبيحة حية ،وعبّر عن هذا الحب حين شَب فقال “حبي للنبات لا يتنهي”.

في بداية الأمر كان مهتماً بالطب وعلومه إلا أنه ادرك ان ميوله ينحدر للنبات خصيصاً وعشقه الفطري له كان نقطة التغير في حياته ،فدرسه في جامعة “لوند”هناك حيث حاول استحداث حديقة نباتية لدراسة النباتات في الجامعة فلم ينجح ،لذلك قرر أن يرحل لجامعة “أوبسالا” فغادر متواجهاً لها بعد عام حاملاً معه الإعجاب والتشجيع من معلميه فاقداً أي دعم مادي من اهله ليعيش حياة بائسة جداً كان يرقع فيها حذاءه و ملابسه بالورق حين تتلف واقياً نفسه من البرد .

وقف صامداً مجابهاً أي ظرف وأكمل المسير محققاً حلمه بكل ثبات ليكمل دراسته ويُعَين عام  1731 محاضراً مساعداً في النبات ومدرساً خاصاً في منزل الاستاذ “رودبيك” وكتب حينها “إنني الآن بفضل الله أملك دخلاً” .

في عام 1732 اختير لجهوده رئيس بعثة جمعية أوبسالا العلمية لدراسة نباتات “لابلاند” فبدأ رحتله ومساعدوه الشبان في 12 مايو ووصَف رحيلهم بكلماته الزاهية قائلاً: ” كان الجو مشرقاً لطيفاً، وأضفى نسيم عليل هب من الغرب على الهواء برودة منعشة، وكانت براعم أشجار البتولا قد بدأت تتفتح، والأوراق على معظم الشجر متوافرة، ولم يبق عارياً غير الدردار والبلوط. وكانت القبرة تصدح في العلا. وبعد أن قطعنا ميلاً أو نحوه جئنا إلى مدخل غابة، وهناك فارقتنا القبرة، ولكن على قمة شجرة الصنوبر راح الشحرور يتدفق بأغنية حبه” دالاً فيه على روحه اليقظة لمشاهد الطبيعة وأصواتها وعبيرها ، مرَ كارولوس بالكثير من المشاق والمخاطر خلال 1440ميلاً التي اجتازها بنجاح ليعود و زملائه سالمين في سبتمبر .

كان كارولوس لينيوس لا يزال يستمد قوت يومه من تدريسه في الجامعة إلا ان غريم له أفلح في حظر محاضرته بحجة أنه لم يكمل دراسته الطبية أو ينال درجته الجامعية ، فاستطاع الحب لثاني مرة في انقاذه اذ كان في تلك الفترة قد وقع في غرام “ليزا” ابنة طبيب محلي قامت بإعطائه مدخراتها وأضاف اليهم مدخراته لينطلق الى جامعة “هاردرفيك” في هولندا واجتاز جميع امتحاناته فنال درجته الطبية بنجاح.

قام بتأليف كتاب من كتب امهات النبات وهو “نظام الطبيعة” – وقد طبع أثنتى عشرة مرة في حياته- ، وعلى مقربة من امستردام تزود بما نقصه من مال بإعادة تنظيم المجموعة النباتية لشركة يملكها ” جورج كليفورت” وعمل القوائم بها ، وفي 1736 اصدر كتاب “مكتبة النبات” و في 1737 كتاب “أجناس نبات” .

قصد باريس ليدرس “الجاردان دووا” وهناك دون أن يقدم نفسه انضم الى مجموعة طلاب كان “برنار دو جيسو” يحاضرهم باللاتينية في نباتات دخيلة وقد حير الاستاذ نبات منها واجترأ كارولوس على إبداء رأيه وقال انه لهذا النبات مظهر أمريكي فنظر اليه جيسو وقال وهو يحزر هويته “انت كارولوس” ورحب به ترحيباً حاراً وعرض عليه الاستاذية في لندن،باريس، وجوتنجن لكنه رأى أنه قد آن الاوان ليعود الى “ليزا” ويتزوجا فاستقر في “استوكهولم” طبيباً.

Carl Linnaeus-2

ظل حيناً عبثاً يترقب المرضى كأي طبيب ناشئ وذات يوم سمع شاباً يشكو من عدم قدرة أحد على شفائه من مرض السيلان فشفاه كارولوس بقدرته الطبية الممزوجة بشغف النبات،ليذيع سيطه بعدها حيث جاءه الكثير من الشبان متلمسين الشفاء من نفس المرض ، لم تختصر خبرته على ذاك المرض فحسب انما امتدت الى امراض الرئتين، بعد شهرته تلك سمع عنه الكونت “كارل جوستاف تسين” رئيس مجلس النبلاء فمنحه منصب طبيب البحرية وفي نفس العام ساعد كارولوس لينيوس في انشاء أكاديمية العلوم الملكية وأصبح أول عميدٍ لها وبعدها بدأ يتدرج في المناصب حتى وصل الى درجة “بروفيسور” في علم النبات والمواد الطبية والتاريخ الطبيعي حيث حينها وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح مكتشف قانون الجاذبية “إسحاق نيوتن”

قدم كارولوس لينيوس العلم على طبق من المتعة والحماس فكان يعمل مع الطلاب في صداقة لا تكلف فيها ، فيمضي أسعد أوقاته حين يأخذهم في جولة من جولات التاريخ الطبيعي فيقول: ” كنا نقوم برحلات كثيرة بحثاً عن النبات، والحشرات، والطيور، ففي الأربعاء والسبت من كل أسبوع نجمع الأعشاب من الفجر إلى العشية ثم يعود التلاميذ إلى الميدان واضعين الأزهار على قُبعاتهم، ويصحبون أستاذهم إلى حديقته، يتقدمهم موسيقيون بسطاء. ذلك منتهى الروعة في علمنا اللذيذ، أوفد بعض طلابه الى بقاع الأرض ليأتوه بنباتات غريبة وحَفزهم بالأمل واعداً اياهم بإضافة اسمائهم لنبات في نظام التسمية الكبير الذي كان بصدد إعداده فنلاحظ انه أطلق اسم “الكاميليا” على الشجيرة المزهرة التي عثر عليها “جورج كاميل” في الفلبين.

كرمت أوروبا كلها كارولوس في شيخوخته كاميراً لعلماء النبات وأهداه الملك لقب الفروسية فأصبح يدعى ” كارل فون لينيه” أيضاً تلقى خطاب حب من ثاني أشهر مؤلف في القرن “جان روسو” ،توفي كارولوس لينيوس عام 1778 بعد عمر طويل أفناه في العلم بين النباتات والطب عن عمر يناهز الـ 70 عاماً ، باعت أرملته مكتبته ومجموعاته الى “جيمس إدوارد سميث” الذي أسس “جمعية لينيوس اللندنية” للعناية بتراث كارولوس لينيوس.

انبثقت حقبة النجاح التي مر بها كارولس من ايمانه بما أحب فلم يجد طموحاته ولم يضع نفسه الا في مكان لطالما رأى نفسه في رافضاً مخططات غيره له، فحَمِله ما أحب منذ الطفولة الى قمة السلم ليضع بصمتها في كل عتبة اجتازها.   

عن الكاتب

Profile photo of غيداء اللحام

غيداء اللحام

اترك تعليقاً