ماري كوري ، المجد للمرأة الحديدة

إنها العاصفة بأم نفسها ، بل البركان في ثورانه ، إنها التي فجرت كيان العلم دون أن تلمس البندقية ، المرأة التي أثبتت أنها تتقن اللعبة بحرفية مطلقة ، العظيمة التي جابهت كل كل شيء كي تضع اسمها مزركشاً بين أسماء مبدعي نوبل ، إنها عالمة الفيزياء و الكيمياء و صاحبة جائزتي نوبل “ماري كوري “.

ولدت ماريا سكوودوفسكا كوري و المدعوَة ماري كوري في نوفمبر من عام 1867 في مدينة وارسو في بولندا ، كانت اسرة ماري مكونة من الفتيات و أمهم و أبيهم ، و كلا الوالدين يعملان في التعليم ، فقد كان والد ماري يعمل مدرساً للرياضيات و الفيزياء ، مما جعل الصغيرة ماري تفطن العلم منذ نعومة أظفارها، فقدت ماري والدتها و هي لا تزال في عقدها الثاني عشر لتكون تلك أولى العقبات في حياتها ،ثم التحقت بمدرسة داخلية ثم بمدرسة أخرى حتى تخرجت عام 1883 ، بدأت في التدريس الخاص تعيل نفسها وأسرتها بعد أن فقدت عائلتها كل ممتلكاتها بسبب انضمامها للعمل الوطني، الأمر الذي كان عقبة جديدة أخرى في حياة ماري .

عملت ماري بعدة أماكن كمربية أطفال حتى تتمكن من تأمين متطلبات الدراسة بالجامعة ، و في نفس الوقت تعيل أختها التي تدرس الطب في باريس في اتفاق أبرم بينهما أن تعيل إحداهما الأخرى أثناء دراستهما ، لكن الظروف شاءت أن تعود ماري لوارسو عند أبيها عام 1891 وبدأت هناك بالتدريس الخصوصي مرة أخرى حتى تمكنت من الالتحاق بجامعة كانت سرية في ذلك الوقت أطلق عليها اسم “الجامعة العائمة ” ، انتقلت ماري بعدها الى باريس عند اختها و استأجرت إحدى الشقق و بدأت عامها الدراسي الأول في جامعة السوربون ، تخصصت في الفيزياء و الكيمياء و الرياضيات لتكون هي بدايتها مع هذا العالم ، فانهمكت ماري بدراستها و أعطتها كل اجتهادها و حبها ، و هي لا تزال لا تدري أنها ستكون أساس مستقبلها القادم كله .

استمرت ماري منغمسة في الدراسة تعطيها كل وقتها نهاراً ، و تعمد في المساء على اعطاء الدروس الخصوصية حتى تسد حاجتها و متطلباتها ، لتحصل في عام 1893 على درجة علمية في الفيزياء ، الأمر الذي زادها حماساً للدراسة و التفوق أكثر ،لتحصل في 1894 على درجة علمية أخرى و لكن هذه المرة في الرياضيات ، تزوجت ماري من بيير كوري الذي كان يعمل في مجال يشبه مجالها مما جعلهما فريقاً رائعاً يقدمان الأبحاث سوياً ، فقدمت ماري إثباتها الأول لنظرية الإشعاع التي كانت قائمة على مجموعة من أبحاث زوجها بيير لتكون هذه الفرضية مهمة في العديد من الأمور الفيزيائية الأخرى، لتستمر ماري الى جانب بيير في تقديم أبحاثهما و إثباتها من داخل غرفة صغيرة سيئة التهوية ملحقة بإحدى المباني كانا يعيشان فيها بسبب سوء أحوالهم المادية ، و بالرغم من ذلك تمكنا من أن يستمرا جنباً الى جنب في طريق النجاح الوعر جداً .

marie-curie-2

لم تحصل ماري و زوجها في أبحاثهما على تمويل سوى القليل إلا أنهما استمرا و استمرا ، حتى أن بيير قرر أن يترك أبحاثه و يساند زوجته في أبحاثها لإعجابه بأبحاثها تلك و لإيقانه أنها تستطيع أن تحقق بتلك الأبحاث ما لم يحققه أحد قبلها ، وبالفعل قدم الزوجان أوراقاً بحثية مهمة كما و اكتشفا العديد من العناصر التي سجلت باسميهما ، ليكملا مشوارهما الصعب يوماً بعد يوم و من نجاح الى أكبر ، لتحصل ماري في عام 1903 على شهادة الدكتوارة من جامعة باريس و نهاية العام ذاته حصلت ماري و زوجها على جائزة نوبل الأولى في الفيزياء ، و في عام 1906 تعرض بيير للقتل مما جعل ماري تنهار حزناً على زوجها ، لكن لا بد للحياة أن تستمر لتكمل ماري رحلتها و هي تحمل في قلبها حلمها و حلم زوجها بالوصول حيث اللا متوقع ، بالفعل حصلت ماري على الأستاذية في جامعة السوربون لتكون أول امرأة تحصل على هذا اللقلب.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح عالم الفيزياء والفيلسوف “إسحاق نيوتن”

في عام 1911 حصلت ماري على جائزة نوبل الثانية في الكيمياء ، لتكون بذلك أول امرأة تحصل على جائزتي نوبل في مجالين مختلفين ، لتثبت أنها المرأة الحديدية التي حملت عبأ أسرتها و وفاة زوجها الذي كان سندها في كل شي ، كل ذلك حملته ماري على ظهرها و صعدت أوعر الجبال على الإطلاق جبل النجاح ،شاركت في الحرب العالمية الأولى بجهدها و أفكارها و ساهمت فيما بعد الحرب بتطوير البلاد بأبحاثها الناجحة جداً ، ثم من باحة انجازات الى اخرى سارت ماري تضع في كل باحة أثراً لن تمحيه الأيام أبداً بس ستخلده حتى الأبدية .

ساهمت أبحاث و دراسات ماري في الكثير من التطوير الاقتصادي و الاجتماعي و العلمي طبعاً في الفيزياء و الكيمياء و غيرها ، لتستحق الكثير من التكريمات و الألقاب و الجوائز التي حصلت عليها عاماً يتلوه الآخر مجابهةً الفقر و الرفض و الحزن و العنصرية والمرض و أعباء الأسرة والتربية لابنتهاها اليتيمتان ، توفت ماري كوري في الرابع من شهر يوليو في زيارتها الأخيرة لبلدها الأم بولندا على سرير المشفى الذي رقدت به نتيجة إصابتها بمرض فقر الدم اللاتنسجي الناجم عن تعرضها الكبير للأشعة أثناء دراساتها و أبحاثها عبر الأعوام .

خلَد التاريخ انجاز هذه المرأة التي لا تكاد جهودها تحصى بالكثير من الصور ، فقد أقيمت لها جداريات تحمل صورها ، و نشرت أبحاثها في كل مكان ، ألفت كتب تحكي قصتها ، و أنتج فيلم سينمائي و مسرحية يرويان قصة حياتها ، كما و ظهرت صورها على الطوابع والعملات المعدنية ، فقليل كل تلك التقديرات لهذه المرأة التي لخصت معنى الإخلاص للعلم بقصتها و عزمها المتواصل على إتمام الطريق الذي كان في نهاية الأمر هو سبب مفارقتها للحياة ، لم تكترث ماري كون تلك الأبحاث  وما تحمله معها من متاعب تجعلها في أشد حالاتها إعياءً سواءً من تعب أو إرهاق أو ألم و مرض ، لم تكترث لأنها وضعت الهدف سامياً أمامها و كرست كل طاقتها و جهدها لتصل إليه و تتذوق حلاوة تحققه بقلبها و عيناها .

عن الكاتب

Profile photo of رناد مجدلاوية

رناد مجدلاوية

طالبة تكنولوجيا ، اهوى الكتابة فالكتابة هي التصالح الأبدي بين الفكرة و تطبيقها ، و هي الهوية البيضاء وسط ظلام الكون ، وحينما نمزج تركيبتا التكنولوجيا و الكتابة نخرج بأكثر الأماكن قرباً الى قلبي و هو "موقع شخصيات"

اترك تعليقاً