مايكل سترن هارت ، عميد رقمنة الأحرف يخفي الأوراق خلف شاشة الحاسوب

Michael S. Hart

استطاع أن يخفي الأوراق من على طاولة الكتَاب ، و أن يجعل للقراءة طريقةً جديدةً تحول الحرف التقليدي المطبوع ذاك ، الى صورة من نقاط ضوئية صغيرة تحفظها شاشة حاسوب ، إنه عميد رقمنة الأحرف و أستاذ تدشين الحرف الرقمي  إنه “مايكل هارت” ، الرجل الأول الذي كان خلف ظهور ما يسمى بالكتب الإلكترونية .

ولد هارت في الثامن من شهر مارس لعام 1947 ، في العاصمة الأمريكية واشنطن ، لعائلة يعمل الأب فيها محاسباً و الأم محللة للشيفرات ، مما يعني عائلة بعيدةً نوعاً ما عن الشهرة و النجاح و الأضواء ، لكن هارت استطاع تحقيق النجاح حتى مع بيئة لم توحي يوماً بأنها ستحمل بين أجيالها سابقةً كمايكل هارت هذا. درس هارت علوم الحاسب في جامعة “إلينوي” ليتخرج هذا العبقري المتفوق منها في عامين فقط منهياً بذلك جلَ مواده الدراسية ليكون تخصصه الجامعي ذاك حجر الأساس في قصتنا .

خلال عامي هارت الدراسيان اللذان أمضاهما في الجامعة ، تمكن من تحقيق النجاح الذي سيكون هو لبُ قصتنا ، ففي أثناء دراسته استطاع الحصول على حساب يمكنه من الدخول الى احدى أجهزة مركز الحاسوب الخاص في الجامعة ، هناك حيث بدأ في ترقب عمل ذلك الحاسوب ، الأمر الذي جعله يلاحظ أن عمل هذا الحاسوب ينحصر في كونه معالجاً للبيانات يستغل بعضاً من الوقت في إنجاز عمليات المعالجة تلك ثم يهدر الكثير من وقت الفراغ دون وجود عمل ما يُسنَد إليه ، يجعل منه جهازاً مفيداً ليحقق الأمر المرجوَ من وجوده ، و من هنا بدأت أفكار العباقرة تطرق دماغ مفكرنا ، و ما إن لامست يداه هذا الجهاز و تعمق بين أجزاء الحساب الذي وقع بين يديه ، حتى أعلن أن مثل هذا الجهاز الذي يستخدم للمعالجة فقط ، يمكنه أن يكون أيضاً وسيلة جديدة لحفظ و استرجاع البيانات ، مما يجعل من المعلومة المقروءة بالصورة التقليدية التي نراها على الأوراق ، معلومة رقمية يمكن قرائتها و حفظها من على شاشة الحاسوب ، هذه الفكرة الجديدة كلياً و التي غيرت من الصورة القديمة للحرف لم تلبث أكثر من الساعتين في رأس هذا العبقري ، لتخرج على هيئة قنبلة ذرية فجَرت سماء القراءة و الكتب بألعاب نارية و بألوان زاهية.

تمكن هارت من الوصول الى فكرة الكتب الرقمية ، و التي كان مفادها يكمن في تحويل النصوص التقليدية التي نراها على الأوراق الى نصوص رقمية تحفظ و تسجل و يتم استعادتها من خلال جهاز الحاسوب، كما ويمكن تناقلها من جهاز الى آخر ، مما جعل منها محتوىً دسماً يتم تبادله بين الحواسيب ليكون بدوره العمل الجديد الذي سيملأ لها فراغها ، و وقتها المهدور . كان التطبيق الأولي للفكرة حينما قام هارت بإدخال نص إعلان الاستقلال الذي كان حديث الصدور آنذاك، الى جهاز الحاسوب ، ليكون هذا النص بمثابة البداية الأولى للنص الرقمي أو ما يعرف برقمنة الأحرف. هذا المشروع الذكي جداً أطلق عليه هارت فيما بعد اسم “جوتنبرج” ، ليكون الأخير ملاذاً للحرف الرقمي الذي نتبادله اليوم .

حينما شرع هارت في الرابع من يوليو عام1971  بإدخال نصَه الأول على الحاسب كانت فكرته تنصب في نشر هذا النص و إرساله لكل مستخدمي “الأربانت” فقد كان جهازه متصلاً بهذه الشبكة ، لكن المشكلة كانت في أن إرسال مثل ذلك الملف الثقيل بسعته عبر البريد الإلكتروني خلال هذه الشبكة قد يتسبب فعلياً في انهيار تلك الشبكة ، كونها لم تكن بتلك القوة و التماسك التي تتصف بها شبكة الأنترنت اليوم فالأربانت هي بمثابة النواة الأولى للأنترنت كما نعلم ، تلك المشكلة التي واجهها هارت لم تقف أمام دافعية الفكرة التي تراوده الآن ، فقد كان يريد ايصال نصه ذلك و بأي طريقة لمشتركي هذه الشبكة ، لذلك فكر أن بإمكانه اتاحة هذا الملف الذي يحوي النص المراد نقله ، للتحميل لأيٍ من مشتركي الشبكة بدلاً من إرساله ، فيصبح محفوظاً في إحدى الأماكن و متاحاً للتحميل و الاسترجاع لكل شخص يتصل بهذه الشبكة .

Michael S. Hart-2

بإعلان الاستقلال كنص أول بدأت فكرة مشروع “جوتنبرج” ليكمل حينها هذا الكاتب و المبرمج نجاحه بالمزيد من النصوص التي قام برقمنتها ، و التي كان من بينها الكتب الكلاسيكية ، ككتب “وليام شكسبير” “الكتاب المقدس” و أعمال “هوميروس” و غيرها الكثير ، و اتبع هارت في مشروعه نشر الكتب ذات الملكية العامة نوعاً ما حتى لا يضع نفسه تحت المساءلة القانونية فيما يتعلق بحماية الملكية الفكرية ، و مع مرور الأعوام كان عدد الكتب التي تمكن هارت من رقمنتها قد وصل الى الـ 313 كتاب مع حلول عام 1997 .

و قد كان هارت يعمل الى جانب مجموعة من المتطوعين الذين شكلوا معاً فريقاً قوياً لمشروع “جوتنبرج ” و الذي جلب الشهرة و الربح لهم بصورة أو بأخرى ، لتصل أرباح هارت و فريقه الى ما يقارب المئة مليون دولار أمريكي  ، هذا ناهيك عن الشهرة التي لحقت هارت من كون هذه الفكرة من محض أفكاره من جهة ، و من شهرته ككاتب من جهة أخرى ، فقد كان ينشر كتاباته الى جانب الكتب التي كان ينشرها ، مما جعل منه إحدى الأيقونات الرقمية و الأدبية أيضاً .

كان هارت الرجل الذي استخدم فكره ليكون بمثابة رأس مال قوي يدِر عليه بإيرادات على هيئة أفكار نيَرة ، جعلته في يوم من الأيام يصل للنجاح و الشهرة و الربح ، والتي كانت بمذاق أطيب من العسل خصوصاً أنها كانت من وراء تعب سواءً فكري ، أو جسدي ، فتطبيق الفكرة بحد ذاته كان أمراً غاية في الصعوبة ، فمثل تلك الكتب و المؤلفات و التي تتضمن مئات الصفحات ، لا بد أنها تحتاج الى العديد من الساعات حتى يتم تحويلها الى صفحات رقمية متاحة للجميع ، يستطيع أي حاسوب بأي مواصفات و أي عتاد أن يتناقلها .

فهي اذاً سلسلة من العمل المتواصل و المجهوذ غير الهين للوصول الى هذا النجاح الباهر الذي كان بين يدي هارت ، ليودع صديقنا العالم في السادس من شهر سبتمبر لعام 2011 عن عمر يناهز الـ64 عاماً و هو مرتاح الضمير ، و مبتهج النفس ، فقد ترك وراءه علماً و عملاً ، يشهد له به للأبد .

عن الكاتب

Profile photo of رناد مجدلاوية

رناد مجدلاوية

طالبة تكنولوجيا ، اهوى الكتابة فالكتابة هي التصالح الأبدي بين الفكرة و تطبيقها ، و هي الهوية البيضاء وسط ظلام الكون ، وحينما نمزج تركيبتا التكنولوجيا و الكتابة نخرج بأكثر الأماكن قرباً الى قلبي و هو "موقع شخصيات"

اترك تعليقاً