مايكل فيلبس ، إن وقعت ألفاً سأقف المرة بعد الألف

بالفراشة علَني أنعته، أم بالصاروخ المائي! ، بالأسطورة الرياضية، أم بروح الأمل! ، كل تلك المسميات تقف حائرة حتى أمام شخصية تكاد تكون مستحيلة التواجد، كيف للحلم أن يصبح بين ذراعيه حقيقة؟، وكيف تستطيع أمواج الماء أن تهزم أمام عزيمته نحوها؟، كيف تتكور ماهية النجاح في انسان سبق وأن تنحت الأيام عنه واضعةً إياه في أجندة اللامهمين؟، كيف استطاع و بكل ما أوتي من قوة أن يرغم المستحيل على الإنحناء لإنجازاته الخيالية؟، إنه السبَاح الأسطوري “مايكل فيلبس”، صاحب أكبر الإنجازات الأولمبية في التاريخ.

ولد مايكل فريد فيلبس في اليوم الثلاثين من شهر يونيو من عام 1985، في مدينة “بالتيمور” الأمريكية، عاش حياةً مأساوية من أكثر من ناحية، فقد تدمر نفسياً من زملائه و مدرسيه في المدرسة التي كانت بمثابة ارهاق نفسي جسدي له دون أدنى رحمة، فقد عانى هناك من استهزاء زملائه كون ملامحه غريبة الأطوار من نظرهم، هذا ناهيك عن كرهه المبدئي لها كونه لا يستطيع حصد علامات عالية في مواده، فقد عانى مايكل فيلبس من نقص التركيز الناجم عن كثرة الحركة لديه، ربما هو مرض سبب له خسائراً أكاديمية، إلا أنني أراهن أنه أكسبه فيما بعد مكاسباً أعظم و أكبر.

كانت أسرة فيلبس صغيرة مكونة منه وأختيه و أمهما التي تعمل مديرةً في مدرسة، ووالدهما الذي يعمل في سلك الشرطة، و في خضم الحياة أيقنت أم فيلبس أن ابنها يحتاج مزيداً من الرعاية بعيداً عن جو المدرسة الذي يعد كئيباً بالنسبة له، فقامت باستشارة طبيب نفسي أخبرها أن ابنها يعاني بالفعل من ذاك المرض ويحتاج أن يفرغ كل تلك الطاقة الكامنة داخلك بشيء ما، وأشار عليها بالرياضة، وبالفعل أرسلت الأم ولدها للعالم الذي كان بمثابة البوابة الأولى للفردوس، قابل فيلبس ذو الست سنوات هناك مدرب نادي السباحة ذاك و الذي وجد فيه ما لم يجده أحد من قبل، و قد أخبر والدة فيلبس أن ابنها يحمل في جعبته ابداعاً ما سيظهر ذات يوم للملأ.

كان المدرب محقاً حيال ذلك الأمر بالفعل، و قد استمر فيلبس ينهل من مدربه كل يوم عن يوم أكثر، لازم التدريب الرياضي و السباحة، و الجدير بالذكر ان التفوق الرياضي منحه أيضاً التفوق الأكاديمي الذي لطالما طمح له، حتى أصبح مايكل فيلبس من طفل لا يقوى على شيء سوى مضايقة الجميع بكثرة حركته و قله تركيزه، الى طفل ثم شاب يقرع أجراس النجاح جرساً يتلوه آخر.

مايكل فيلبس

أتم مايكل فيلبس دراسته الثانوية وبتفوق كبير، الى جانب مدربه الذي كان بمثابة أب له بعد أن افترق والداه، إلا أن الأم القوية التي استطاعت قبل سنوات أن تنتشل ولدها من القاع وتضعه على السطح، جديرة أيضاً بحمل مسؤولية البيت كاملاً، فقد أعطت ما عندها دائماً دون توقف، كما أن مدرب فيلبس زرع في نفسه القوة والعصامية، ليصبح اليوم ابن الـ11 ربيعاً جاهزاً تماماً لخوض أولى المباريات الاولومبية التي تحدث عنها مدربه قبل سنوات، و بالفعل خاض فيلبس المبارة ونجح فيها بالحصول على رقم خوله فيما بعد لخوض اولمبياد “سيدني”، ومن سيدني الى برشلونة ثم أثينا، ومن عام إلى آخر و الصبي يكبر ليصبح اليوم أيقونة أولمبياد عالمية بالفعل.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح العداء الجامايكي “يوسين بولت”

شارك فيلبس بالكثير من الأولومبياد على مر السنوات، و حصل فيهن ما يقارب الـ28 ميدالية من بينها 23 ذهبية، رقم كبير جداً لشاب لا زال في مقتبل عمره، إلا أن الحياة تبحر بنا أحياناً الى شواطىء عميقة أكثر من اللازم، تزجنا في كهوف الملل تارة و في قيود التعب تارة أخرى، وهذا ما حصل ربما مع بطلنا فيلبس فقد أعلن في عام 2012 اعتزاله السباحة معزياً ذلك كونه قد أعطى السباحة كل ما يملك و لا يوجد لديه المزيد ليقدمه، أثار هذا الأمر الجميع فالكل يثق بقدرته على أن يقدم الأفضل كل مرة، فمن يملك سرعته الضوئية في بلوغ الهدف؟ و من يملك قوة عزيمته في مجابهة النفس تحت الماء؟ هو فقط خلق كي يكون سباحاً ولا يجدر به أن يتنحى عن ذلك أبداً.

الجميع أيقن بقدرات فيلبس وبقي أن يسترجع هو يقينه بها، و كان لا بد من أن يحصل على دعم معنوي نفسي من أقاربه وأصدقاءه وبالفعل استطاع الجميع أن يقنع فيلبس بالعزوف عن خياره في الانتحار وتوديع السباحة بل والحياة كلها، عاد مايكل فيلبس أدراجه و استعاد ثقته المدفونة فيه مرة أخرى بل وأعلن إلغاءه قرار الاعتزال، كي يعود مرة أخرى و بقوة و عزيمة أكبر بكثير عن ذي قبل، و قد حقق حينها وتحديداً في 2016 في أولومبياد ريو دي جينارو الكثير الكثير من البهجة لمتابعيه ومحبيه، و لنفسه الشامخة الجامحة نحو النجاح.

لم يكن العالم ليدرك كيف أن البدايات تكون هي الأصعب دائماً فكيف اذا ما كانت نفسيةً جسديةً قلبية، دعوني أصف معاناة فيلبس في صغره كنقش صغير حفر بذاته أنه لا يقدر، لكن بقليل من الوعي ممن يسانده استطاع أن يتخطى كل ذلك لا بل وخط النجاح كما لم يخطه أحد من قبل، فلنتفقد حروفنا التي نلقي بها على مسامع من حولنا فنحن لا ندري أيها سيرضخه أرضاً، ولا ندري أيضاً أيها ستشعل دوامة المنافسة داخله، فلعلنا نلتمس من كلمات من حولنا وحديثنا مع أنفسنا الأمل المنشود وضالتنا في صندوق المواهب المدفون في كلٍ منا.

عن الكاتب

Profile photo of رناد مجدلاوية

رناد مجدلاوية

طالبة تكنولوجيا ، اهوى الكتابة فالكتابة هي التصالح الأبدي بين الفكرة و تطبيقها ، و هي الهوية البيضاء وسط ظلام الكون ، وحينما نمزج تركيبتا التكنولوجيا و الكتابة نخرج بأكثر الأماكن قرباً الى قلبي و هو "موقع شخصيات"

اترك تعليقاً