مدحت عيد ، نجاح ملوَن وسط عالم رمادي

الخلوق المتواضع ، صاحب الحسِ الفنيِ الأروع ، إنه الرجل الذي تحدى كل الظروف و جابَهَ كل الصعوبات بالكثير من الطموح و العمل ليكون الهوية الأردنية العربية الأولى للعملاقة “أدوبي” ، أحدث بأنامله السحرية زلزلة من ألوان مبهجة في كل مكان حررت الصورة الرمادية التي كان يعيش بها التصميم من إطارها الخشبي الى دنيا من الإبداع و التقنيات التصميمية المحترفة مستتخدماً الحاسوب كفرشاة لإبداعه ، إنه المصمم الجرافيكي العالمي “مدحت عيد ” .

ولد مدحت عيد في الثامن و العشرين من شهر شباط لعام 1975 ، في العاصمة الأردنية عمَان ، لعائلة متواضعة ، درس الصفوف الأساسية و الثانوية في مدارس وكالة الغوث في منطقته ، ثم التحق بمعهد الفنون الجميلة في مجال “الخط العربي”  لمدة تقدر باثنا عشر شهراً ، ليتخرج منه حاصلاً على أولى الشهادات التي ستسجل بين رزمة شهادات هذا المبدع ، لكن عيد لم يلتحق بأي جهة دراسية معتمدة بعد سنين المدرسة ، بالرغم من ذلك  أثبت أن النجاح و الطموح بقليل من ماء المثابرة يجلب كل الشهادات و الألقاب و الشهرة التي لن تجلبها سنين الجامعة الأربعة كلها ربما .

كان عيد إحدى المميزين منذ طفولته ، لمست عائلته ملامح الإبداع التي ارتسمت علي جبينه منذ نعومة أظفاره ، فقد كان الخطاط الصغير الذي يعيش في فوضى من الورق المترامي في كل أنحاء المنزل ، يقضي على معون الورق خلال ثلاثة أيام فقط ، فهو يمضي جلَ وقته في التخطيط و زخرفة الأحرف ، فيطور نفسه بنفسه مع كل ورقة يملأها بحروفه ، ليصبح الآن مؤهلاً كفتىً في عمر الـ17 عاماً للعمل، حيث امتهن التخطيط فعمل في أولى وظائفه كخطاط في جريدة الدستور ليكون حينها أصغر خطاط فيها ، كان الخط بمثابة البداية الأولى التي عمد عيد على الانطلاق منها ، الا أن حلم عيد الذي ينمو و يتطور داخله ، و التطور التكنولوجي أيضاً الذي بدأت علاماته بالظهور حوله في المجتمع ، جعلته ينطلق طواعيةً من الرقعة اليديوية البحتة الى الديناميكية و الآلية فيما يسمى بثورة التصميم التي لم تبزغ ملامحها أكثر إلا بوجود الحواسيب ، ليواكب عيد بذلك التطور الذي زار العالم و ينعش من جهة أخرى طموحه بنكهة جديدة من العمل ، لينطلق الآن و بقوة الى التصميم الجرافيكي و الذي كان الطريق الأمثل لذوق فنان مثل عيد .

Medhat Eid-2

بدأ عيد في الإنغماس أكثر فأكثر في عالم الجرافيك ، يتعلم كل جديد فيه من تلقاء نفسه ، فقد بنى نفسه بنفسه دون الالتحاق بأي دورة أو جهة معينة تلقنه التصميم و مفرداته ، و بالرغم من صعوبة الحال ، و محدودية الإمكانات سواءً المادية منها أو غير المادية ، استمر عيد بكل ما فيه من طاقة ، و بكل ما يحمل طموحه من إلحاح نحو الوصول و النجاح ، سار على الطريق الذي رسمه لنفسه يشد أزر نفسه ، فيسجل في مسابقة محلية تارة ، و عالمية تارة أخرى ، و في كل مرة كان المبدع المتميز في ما يقدم. و قد كانت أولى محاولاته الناجحة تلك هي تصميم شعار جلالة الملك الحسين -طيب الله ثراه- بمناسبة توليه سلطاته الدستورية الأربعين ، في مسابقة طرحتها احدى الجهات الرسمية و التي كان يتبارى فيها أكثر من ثمانٍ و أربعين مصمم ، إلا أن عيد صاحب الـ18 عاماً فقط كان أكثرهم براعة مما جعله يستحق الفوز بتلك المسابقة ، لتعطيه لحظة الفرح تلك طاقة جديدة بمعامل زيادة أكبر ليتقدم و يستمر في طريق النجاح ، ثم و في عام 1998 تحديداً حقق عيد الانتصار الثاني له في مضمار المسابقات ليحصل على المركز الأول في مسابقة عالمية لتصميم شعار الأولمبياد الخليجي ، كان لهذا النجاح بالطبع أثر جميل و قوي كذلك على استمرار عيد في المجابهة في أرض التصميم الجرافيكي .

اقرأ ايضاً : “أسامة الزيرو” صاحب قناة ” الزيرو ويب سكول” أشهر قنوات الويب على يوتيوب

نقطة التقاطع الأولى التي صادفت عيد كانت اختياره التصميم الجرافيكي بعيداً عن الخط العربي ، أما عن النقطة الثانية و التي كانت أكثرهم أهمية هي الانتقال الآن للعالمية مع عملاقة التصميم “أدوبي” ، فكمية الاحترافية و الإبداع التي غرسها عيد كعَلم له في هذا المجال ، كانت كفيلة بلفت الأنظار له ، فاستطاع أن ينشر خبرته في الدورات و الورشات التي كان يقيمها في بلده ، فما كان من أدوبي الا أن تضع يدها في يده ليأسسوا بؤرة للتصميم الجرافيكي في المنطقة العربية ، بقيادة مبدعٍ كعيد ، وبالفعل تم افتتاح فرع التصميم الجرافيكي في كلية القدس في عام 2003 ، لتكن الكلية بمثابة أول مركز معتمد للتصميم من قبل أدوبي في الأردن.

انضمام عيد الى رَكب مبدعي أدوبي ، كان بمثابة كنز كبير للتصميم الجرافيكي ككل ، فاجتماع عملاقة التصميم العالمية مع مبدع ذو ذوقٍ و حسٍ فنيٍ رائع لا بد له من أن ينتج تركيبة من سحر الألوان و الأشكال ، فمدحت عيد أثبت قطعاً انه يمتلك الاحترافية المطلقة في التصميم ، فقد حصل على ما يقارب الـ34 شهادة دولية خلال 11 عاماً من مسيرته نحو النجاح، كما وقد حصل على لقب “أدوبي كوميونيتي بروفيشينال” ، أما عن التميز الأكبر لعيد في رحتله مع أدوبي ، فهي عندما تم اختياره من ضمن 18 شخص من كبار المصممين حول العالم  للعمل معها على برنامج يدعى “أدوبي بريدج” ، ثم من ضمن الـ5 الذين اختارتهم أدوبي للمساعدة في انطلاق برنامج جديد لها باسم “أدوبي فيكس” كان حينها المصمم العربي الأول و الوحيد الذي يتحدث باسم أدوبي مع كبار أعضاء الشركة أمام الجمهور ، هذا ناهيك عن اختياره ليكون أحد أعضاء فريق أدوبي لمنصة تدعى “بيهانس” و التي كانت وظيفتها تقوم أساساً على تحفيز و إرشاد طلاب الجامعات الأمريكية حول استغلال أنفسهم و ابداعاتهم من خلال برامج أدوبي ، للإنطلاق بجاهزية أكبر لسوق العمل .

مقابلة مصورة مع مدحت عيد قام بها فريق العمل : 

كل تلك النجاحات المتتالية التي حققها عيد ، لا زلت لم تشبع الطموح فيه ، لا زال يطمح أن يكون متحدثاً رسمياً لأدوبي و ممثلاً لها حول العالم ، و هذا ما ينتظره الجميع منه قريباً ، فلا بد من مبدع مثله عرف النجاح و التميز منذ بداية مشواره أن يستطيع تحقيق ذلك حتى لو بعد حين ، فعلمَنا عيد أن النجاح يُنسَج بخيطٍ من الصَبر و بأنامل من المثابرة ، ليحصل بذلك على قطعة متقنة الصنع تصلح أن يعلقها على قمة نجاحاته . فكانت بداية عيد بداية بسيطة مع الخط العربي و التي لا ينكر فضلها عليه أبداً، فهو لا يزال لليوم يثبت أن البداية الأولى لها الأثر الأعمق على النجاح ، فيذكر أنه في إحدى معارضه العالمية ، قدم لوحة كتب فيها “الأردن” بالخط العربي الاسلامي ، فما كان من الحضور من الأجانب و غير متحدثي العربية الا بسؤاله عن هذه اللوحة خصيصاً لأخذ صورة تذكارية الى جانبها ، فيبرهن هنا أنه لم ينكر جميل الخط العربي ، خط البداية و العراقة و الفخر كونه الخط العربي القرآني ، فصحيح أنه ترك مجالاً لينخرط بآخر ، الا أنه يدرك تماماً الى أين يسير فما يميز كل مبدع في عالمنا هو “الطموح” فجميعنا ولدنا بفيزيائية واحدة ، الا أن طموحاتنا هي من ترسم لنا المرحلة القادمة من حياتنا.

كل تلك الإمكانات المحددوة في مجتمع عربي نشأ فيه عيد لم تكن عائقاً أمامه ،و لم تجعله يكتم موسيقى الفن التي كانت تعزف بصخب داخله ، فاستمر متخذاً من كل تلك العقبات حجارة طريق يمر بها و يقفز عنها دون أن يبالي . كان مدحت عيد هو قطعة الشطرنج الملونة التي نمت وسط ذلك السواد الرتيب ، محدثة مهرجاناً من ألوان على هيئة بساط نجاح يحمله من دنيا الى دنيا و يطير به من نجاح الى أكبر ، ليثبت للعالم أجمع أن الإبداع العربي يظهر رغم أنف كل مصطلحات التأخير التي يطلقها المجتمع على نفسه ، فبمزيد من المثابرة و حب العمل يصل كل مبدع الى النجاح ، و يا حبذا لو كان نجاحاً ملوناً بالإبداع كنجاح عيد.

عن الكاتب

Profile photo of رناد مجدلاوية

رناد مجدلاوية

طالبة تكنولوجيا ، اهوى الكتابة فالكتابة هي التصالح الأبدي بين الفكرة و تطبيقها ، و هي الهوية البيضاء وسط ظلام الكون ، وحينما نمزج تركيبتا التكنولوجيا و الكتابة نخرج بأكثر الأماكن قرباً الى قلبي و هو "موقع شخصيات"

اترك تعليقاً