مهاتما غاندي ، الروح العظيمة

Profile photo of وفاء محمد
بواسطة وفاء محمد

لم يُرهبه السجن، ولم يردعه الموت عن مواصلة نضاله،كان همه الأكبر مواجهة العنف والاضطهاد الذي تعرض له شعبه،فقام بضربة كالحديد منتهجاً سياسة اللاعنف في سبيل تحقيق الاستقلال للأمة،قال فيه آينشتاين “إن الأجيال القادمة بالكاد سوف تصدق أنّه في وقت مضى كان هناك شخص كهذا بلحمه ودمه يمشي على هذه الأرض”،أنه “أبو الأمة” غاندي.

موهنداس كرمشاند غاندي،السياسي البارز والزعيم الروحي للهند،ولد في 2 اكتوبر عام 1869م بأمارة “بوربندرالتي” التي تقع في ولاية غوجارات الهندية،وهو سليل عائلة سياسية لها باع طويل في العمل السياسي،فقد كان والده رئيس وزراء إمارة بوربندر،عاش حياة عادية وتزوج بعمر الثالثة عشر بحسب التقاليد الهندية ورزق بأربعة أبناء.

عُرف بالمهاتما غاندي أي الروح العظيمة وهو تشريف لعظمة روحه،وفي الهند أطلق عليه بابو أي الأب ويوم ميلاده في 2 اكتوبر يُحتفل به كعطلة وطنية وعالمياً هو اليوم الدولي للاعنف، سافر غاندي إلى بريطانيا لدراسة القانون،في الشهور الأولى تخبّط بين أن يصبح رجلاً انجليزياً نبيلاً وأن تكون له شخصية متفردة لا تقبل التقليد،فقرر بعد أن عاش حالة من الضياع وعدم التوازن أن يعود إلى تدينه وسعيه إلى الحقيقة والأخلاق،فأخذ يتعلم القانون بطريقة تناسب عقلية شعبه ويتقبلها.

عاد غاندي إلى الهند عام 1890م حاملاً معه الإجازة الجامعية في ممارسة مهنة المحاماة،لكنّ اصطدامه بخبر وفاة والدته واكتشافه أن المحاماة ليست طريقاً للنجاح الذي لطالما حلم به دعاه إلى التوجه إلى راجكوت وعمل كاتباً للعرائض خاضعاً لصلف المسؤولين البريطانيين مما حذاه للتعاقد مع مؤسسة هندية في ناتال جنوب إفريقيا لمدة عام،وبدأت بذلك رحلته للكفاح السلمي في مواجهة تحديات التفرقة العنصرية.

mahatma-gandhi-2

وجد غاندي نفسه مجبراً على مجابهة العنصرية في ذاك الوقت،وربما كانت الشعلة التي اتقدت في نفسه والتي أشعرته بالمذلة والمهانة حينما استقل القطار في 21 مايو 1893م في الرابع والعشرين من عمره على عربة الدرجة الأولى.حيث كان محرماً في القوانين العنصرية مساواة الرجال البيض بأمثال غاندي من الهنود،وتم طرده من العربة.فتعهد غاندي بالنضال من أجل شعبه وتكريس حياته للحصول على الحقوق المدنية التي لطالما سُلبت منهم.

اقرأ ايضاً : “اردوغان” من الفقر إلى القصر

لم يكن هذا العهد سهلاً، فأمامه طريقان إما الكفاح المسلح الذي أيده الجميع ونصحوه به أو الكفاح السلمي في وجه سياسة لا تعرف إلا العنف! ،ولعلّ ما أنقذه من آفة العنف قِراءته لأعمال الروائي العظيم تولستوي وتأثره بأفكار الكاتب الأمريكي دافيد تورو صاحب فكرة “العصيان المدني”.فاختار النضال بالطرق السلمية وأسس حزباً وأصدر جريدة حملت اسم “رأي الهند”.

بعد 22 سنة من النضال السلمي في جنوب إفريقيا واعتقاله لعدة مرات على أثر مواجهات عنيفة مع حكومة “جوهانسبرغ” ،عرضت عليه الحكومة تسوية المواقف بين الجانبين فحقق بذلك من خلال حركة اللاعنف النصر وضمان الحقوق في جنوب افريقيا،توجه بعدها  إلى الهند بعقلية أتاحت له التعمق المعرفي والثقافي فتوّجَه ذلك الزعيم الأكثر شعبية،لم تكن أهدافه من أجل شهرة ولا مال،كان متواضعاً متديناً غيرته الوطنية ما دفعه للمحاربة،أفنى حياته راضياً من أجل غيره ووهب نفسه للدفاع عن قضايا المستضعفين في الهند وجنوب إفريقيا.

اقرأ ايضاً :  “توكل كرمان” الحاصلة على جائزة النوبل للسلام

كان غاندي لا يعرف للحرية حد،إنجازاته كثيرة وسعيه مستمر وتوجهه ثابت،مواقفه صلبة لا تخلو من المرونة التكتيكية التي جعلته في مرمى المعارضين له،فوصفوه بالخائن مشككين بمصداقيته الوطنية،فعلى سبيل المثال شارك غاندي في الحرب العالمية الأولى متعاوناً مع بريطانيا ضد الوسط،وكان تبرير سياسته التي انتهجها محاولة كسب جميع الأطراف إلى صفه.

وفي عام 1940م،قاد غاندي عصيان ضد بريطانيا بسبب إعلانها أن الهند دولة محاربة لجيوش المحور،واستمر العصيان الذي حاولت السلطات البريطانية قمعه من خلال الإعتقالات والعنف والتي كان فيها غاندي من ضحاياها حيث مكث في المعتقل إلى عام 1944م،ونالت بعدها الهند استقلالها.لكن شبّ العنف والرغبة في الإنفصال والتقسيم بين أطراف الهند ما أحزن غاندي واعتبرها كارثة وطنية،خاصة بعد تصاعد حدة التوتر التي تجاوزت كل التوقعات بين الهند والباكستان بشأن كشمير في عام 1947م ،فدعى إلى الوحدة الوطنية بين الهنود والمسلمين طالباً بشكل خاص من الأكثرية الهندوسية احترام حقوق الأقلية المسلمة.

اعتبرت الأغلبية المتعصبة الهندوسية تلك الدعوة خيانة عظيمة فقررت التخلص منه،متناسين سنين طويلة من العطاء،ناكرين لمعروف الإستقلال والوعي الذي كان غاندي السبب الأول في حصولهم عليهم.وبالفعل لم يتوانوا عن قرارهم مطلقين عليه ثلاث رصاصات أودت بحياته وبجميل صنعه في سبيل الهند عن عمر يناهز 78 عاماً.

جابه الفقر و التعصب و الموت و الجوع ، ربما هو الرجل الأكثر تعرضاً لظروف معيشية قاسية ، فأراهن أنه قد تعرض لكل ما قد يعترض الطريق ، لكن حلمه الأول و الأخير في نشر الحرية و الحياة الكريمة بين أبناء وطنه خاصة و العالم عامة ، جعلته لا يتوانى عن الاستمرار و العمل و المجابهة طالما أن نهاية الطريق هي الانتصار أو الموت ، فارق الحياة و هو يهدي آخر أنفاسه للعالم، رحل و ترك الكثير من التاريخ المشرف الذي سيعيد أركان المجد للمكان على يدي غاندي جديد يوماً ما .

عن الكاتب

Profile photo of وفاء محمد

وفاء محمد

اترك تعليقاً