ميشيل فيريرو ، الوصفة السحرية بين يديه

Profile photo of ياسر غوثاني

صاحب الطعم الألذ والأشهر في أنحاء المعمورة، إنه النصف الأول من حكاية العشق الأبدي للشوكولاته التي تعيشها البشرية هذه الأيام، فلا تكاد تذكر إحدى منتجاته إلا و تذوب عشقاً في تخيل طعمها كما يذوب متذوقها تماماً حالما يغرق في انتشاء طعمها، إنه “ميشيل فيريرو”، صاحب سلسلة مصانع شوكولاتة “نوتيلا” الشهيرة، الشوكولاته الألذ والأشهى في العالم.

ولد ميشيل فيريرو في مدينة “دولياني” الإيطالية في الـ26 من شهر ابريل لعام 1925م، والده هو بيترو فيريرو والذي كان بداية القصة للصغير ميشيل، حيث قام بافتتاح مطبخ صغير للحلويات في المنطقة، قام ببيع تلك الحلويات التي يصنعها هو وزوجته لتأمين لقمة العيش، كانت تلك هي الأساسات الأولى للتحضير لبناءٍ قوي ومستقبل مشرق لإبنهما ميشيل، والذي سيكون فيما بعد صاحب مصنع الحلويات فيريرو الذي يعتبر من أحد أكبر مصانع الحلويات بعد الحرب العالمية الثانية.

كان عام 1949م من أشد الأوقات في ايطاليا، فقد غزت البلاد الأزمة الأقتصادية والتي بدورها اسهمت في ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغيرها، مما جعل فيريرو الأب لا يستطيع الآن أن يبيع الشوكولاتة التي يصنعها في متجره بأسعار تناسب الأوضاع الأقتصادية، فكان لا بد له من أن يفعل شيئاً ينقذ الموقف، فقام بإضافة البندق إلى الشوكولاتة خاصته لتنتج طعماً يكاد يكون خيالياً من شدة لذته، كانت تلك بداية شركة “نوتيلا”، وأيضاً بداية المشوار لفيريرو الصغير “ميشيل”.

آمن فيريرو الصغير بحب والده للشوكولاتة، وكان يرى كيف أن والده من شدة ولعه بها كان يوقظ والدته لتذوقها في منتصف الليل، فبدأ فيريرو يعمل مع والده في المتجر بكل شغف، هناك حيث بدأت مواهب هذا الصغير تظهر، ليقوم بالتطوير على تلك الشوكولاتة كي تصبح بالفعل علامة تجارية ذات شهرة عالمية وصلت ليومنا هذا.

تم انشاء أول خط انتاج لعلب نوتيلا عام 1964م، وأحدثت ضجة كبيرة في سوق الشوكولاتة العالمي وبين المصانع والتجار الكبار وللمستهلكين العامة أيضاً، وبعد تلك القفزة تم تشييد 11 مصنعاً في أماكن متفرقة من العالم، تعمل كلها لإنتاج أطنان من شوكولاتة نوتيلا.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح مؤسس مطاعم كنتاكي “كولونيل ساندرز

توفي فيريرو الأب عام 1949 وهو في الخمسين من عمره، بعد ما كان قد وضع حجر الأساس التي كان من المفترض السير عليها ليكمل ابنه عنه المشوار من بعده، كان فيريرو الابن جديراً بتلك الثقة التي غرسها فيه والده منذ صغره حيث استمر يرسم حدود حلم والده ليحقق في عام 1982م، نجاحاً جديداً، فقد أنتجت شركته تلك شوكولاتة “فيريرو روشيه” والذي وصلت أولى طلائعه لأمريكا عام 1985، وقد كانت بمثابة مهمة جديدة وضعها ميشيل على راس أجندات مهمات والده المغروسة فيه، فقد قام بصورة أو بأخرى بنشر الشوكلاتة الفاخرة حول العالم.

كان ميشيل بارعاً جداً في التعامل مع ذلك المنتج الأسمر، فقد تلاعب في مقاديره وكمياته لينتج في كل مرة طعماً أجمل بكثير من الذي سبقه، فقد كان له الفضل في تطوير وصفة الشوكولاتة التي قام بتحضيرها والده بإضافة زيوت الخضروات لها وجعل الشوكولاتة بالبندق تلك لينة شبيهة بالقشدة، ووضعها في وعاء زجاجي مميز كما هو الحال الآن، ليسجل اسمه واسم أبيه ومنتجه السحري المذاق ذاك في سجلات المنتجات الأبدية ربما.

ميشيل فيريرو

شركة فيريرو هي الشركة العالمية الوحيدة التي تتسم بالسرية التامة في صناعاتها فلا أحد يعرف الوصفة السرية الخاصة بالعائلة، ولأجل ذلك قام ميشيل بتوفير الراحة لعامليه، حيث خصص حافلات لجلب العمال من الأرياف، بالإضافة لتلبية كافة احتياجاتهم، كما أنه اتبع سياسة صارمة في المعمل، حيث منع جميع أنواع الزيارات الخارجية، وذلك حفاظاً على سرية وخصوصية العمل.

يعتبر ميشيل فيريرو أغنى رجل أعمال ايطالي، كما أنه من أغنى أغنياء العالم فقد بلغت ثروته من واردات مصانع نوتيلا ما يقارب الـ2 مليار دولار، الكثير منا لا يعلم أن باقي مصانع الشوكولاتة هي تابعة للمصنع الرئيسي نوتيلا مثل شوكولاتة كيندر للأطفال وفيريرو روشيه الفاخرة وغيرها.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح مؤسس سلسلة مطاعم ماكدونالدز “راي كروك

من العوامل الرئيسية للنجاح والتي اتبعها ميشيل هي حب العمل، فقد كان يقطع المسافات لكي يتذوق الشوكولاتة قبل تغليفها وبيعها، حتى أنه في أحد أيام مرضه الشديد استقل طائرة من فيلته إلى المصنع ليتذوق الشوكولاتة، الإخلاص للعمل والتفاني من أجل مستقبل ناجح هو حجر الأساس في عمل فيريرو، كما أنه كان مهتماً بالاستقلالية فلم يعرض أي أسهم في البورصة ولم يبع أي حصة من حصص الشركة لأحد لكي يبقى النجاح لمن اجتهد وتعب له ولأبناءه وكل جيل فيريرو القادم، ووضع كل طاقته ليسير مركب النجاح الذي كان هو ربَانه.

يعمل في مصانع فيريرو حوالي 22 ألف عامل، والذين يتلقون رعاية ورواتب واهتمام فائق من قبل فيريرو، وقد ردَ موظفو فيريرو ذلك الجميل له عبر السنوات بإخلاص بالغ وشغف لا نهائي في إتمام العمل بإتقان ومهارة عاليتين، ويذكر في ذلك وقت حدوث فياضانات في مدينة “ألبا” عام 1994، أن موظفي فيريرو خرجوا من منازلهم من أجل الذهاب للعمل، فقط لأن فيريرو زرع فيهم العمل كحب وليس كإجبار أو التزام يقيد حرياتهم، فكان له منهم الولاء الخالص ذاك والنجاح الأكبر على أيديهم تحت كفيه.

تبلغ ثروة فيريرو 19 مليار دولار، ويبلغ متوسط الدخل السنوي للشركة حوالي 9 مليار دولار، حافظت نوتيلا على طعمها الأصيل والفاخر منذ أن ابتكرها فيريرو، فإن حوالي ربع محاصيل البندق العالمي يذهب لمجموعة شركات نوتيلا لتصنيع الشوكولاتة.

توفي ميشيل فيريرو في الرابع عشر من شهر فبراير لعام 2015م، بعد صراع مع المرض امتد لأشهر، توفي عن ثروة تقدر بـ17 بليون جنيه أسترليني، وعن ثروة نجاح تقدر ببلاين البلاين، تبدأ من الثقة العمياء التي أصبحت عند الناس في كون أي شيء تدخله نوتيلا شهي، بل شهي جداً، وتنتهي بكون فيريرو اسماً لامعاً بقي منذ عصور الحروب العالمية وحتى العصور الذهبية الآن.

توفي ميشيل فيريرو تاركاً وراءه السلسلة التي تتضمن الشوكولاتات الأشهر (نوتيلا) و(فيريرو روشيه) و(بيض كيندر) بالإضافة لحلوى (تيك تاك) اللذيذة، محوَلاً متجر والده الصغير إلى شركة ضخمة تعد اليوم من أكبر شركات القطاع الخاص في إيطاليا، ولتصل قصة فيريرو ووالده مع الشوكولاته للجيل الثالث، حيث عمل بييترو فيريرو وجيوفاني أبناء ميشيل، بنفس مجال والدهم ليكملوا المشوار عنه.

الإصرار والإرادة يصنعان أي شيء لن أقول يصنعان المستحيل لأن النجاح والإنتشار العالمي ليس بالشيء المستحيل ولكن الإنتشار في ظل نقص الموارد هو التحدي، يصنعان كل جميل فما بين إرادة أب وإيمان ابن، خلقت امبراطورية شوكولاته، ومن كان يدري أنها ستكون بتلك الجماهرية التي هي عليها اليوم، فعلى كلٍ منا أن يؤمن بهدفه وألا يتخلى عنه مهما كان الثمن، فثمن التقاعس أكبر بكثير من ثمن بداية المشوار.

عن الكاتب

Profile photo of ياسر غوثاني

ياسر غوثاني

اترك تعليقاً