هيلين كيلر ، من الصمت والظلام إلى الأضواء والنجاح

هيلين كيلر ، بالمعجزة نعتها البعض، و بسابقة عصرها نعتها البعض الآخر، فاحتار العالم بماذا يصف تركيبتها الناجحة تلك! فهي مزيج من ارادة و اصرار و قوة لا تضاهيها قوة، فهيلين هي زهرة أينعت وسط ظلام دامس وصمت عارم، زهرة غنت النجاح أغنية وصخب.

ولدت هيلين كيلر في السابع و العشرين من يونيو لعام 1880 في مدينة “توسكومبيا” في الولايات المتحدة الأمريكية، وكأي طفلة داعبت الحروف و الأصوات نطقها، ورأت النور عيونها ؛ الا أن المرض سلبها نورها وحروفها، فعندما كان عمرها 19 شهرا أصابتها الحمى القرمزية التي أفقدتها حاستي السمع والبصر مما أثر على كلامها هو الآخر لتغدو هيلين كيلر طفلة مسلوبة الحواس بصورة أو بأخرى، عاطفة الأب و الأم لم تستسلم لآثار ذلك المرض و ما خلفته آلامه في ابنتهم، فأرسلاها الى العديد من المراكز و الأطباء حتى انتهى بهم المطاف للعمل باستشارة “غراهام بل” -صديق العائلة- بتوفير معلمة او مربية تهتم لأمر هيلين و تعلمها ما وجب تعلمه، وبالفعل هذا ما حصل ووقع الاختيار على المعلمة “آن سوليفان” لتنظر أمور هيلين و ترعاها بدأت المعلمة مسيرتها مع الطفلة الكفيفة الصماء منذ ذلك اللقاء و حتى 49 عاما، مسيرة مليئة بالانجازات و النجاحات، وقد كانت براعة المعلمة جزء لا يتجزء من نجاح القصة، وعنصرا فعال في بناء أركانها، و جراء ما تعرضت له تلك المعلمة في سن الرابعة عشر من فقدان للبصر، تعافت منه عند اجراء العديد من العمليات، استطاعت ان تمارس عملها على اكمل وجه حيث حصلت على تفويض من العائلة بأن تسكن وهيلين في بيت صغير في حديقة المنزل لتكن بمعزل عن العائلة، و بالفعل بدأت الصغيرة تتعلم و من وحي المكان بدأت أول كلمة عندما انسكبت مياه الحديقة على يدها وفي الجهة الاخرى تتهجأ معلمتها الكلمة لها بأصابعها على كفها، لتبدأ هيلين بالتعلم فمن الماء الى الخرائط ثم الى النطق حيث.

وفي سن العاشرة تعلمت هيلين كيلر قراءة الأبجدية الخاصة بالمكفوفين وأصبح بإمكانها الاتصال بالآخرين عن طريقها، ثم وفي سنة 1891 عرفت هيلين بقصة الفتاة النرويجية “راغنهيلد كاتا” التي كانت هي أيضا صماء وبكماء لكنها تعلمت الكلام. فكانت القصة مصدر الهام لها فطلبت من معلمتها حينها ان تعلمها الكلام وشرعت آن بذلك مستعينة بمنهج “تادوما” الذي يقوم على لمس شفاه الاخرين وحناجرهم عند الحديث وطباعة الحرف على الكف؛ ولاحقا تعلمت هيلين طريقة “برايل” للقراءة فاستطاعت القراءة من خلالها ليس فقط باللغة الإنجليزية ولكن أيضا بالألمانية واللاتينية والفرنسية واليونانية، وعلى هذا  الحال استمرت هيلين تحاول نطق الحروف مستعينة بمعلمتها آن و بمعلمة أخرى تدعى “سارة فولر”، ولكن حجم التحدي الفردي الذي قدمته هيلين فاق الوصف ، فقد كانت تمضي الساعات الطوال تعيد بالكلمات و تحاول نطقها بحرفية حتى يستطيع من حولها ان يفهم ما تقول حتى تحسن لفظها وازداد وضوحاً عاماً بعد عام، حتى وإن خطها في الكتابة كان جميلا و مرتبا.

Helen Adams Keller -2

و استمرت الفتاة المعجزة من نجاح الى آخر حتى أصبحت طالبة جامعية ؛ و بالجامعة استطاعت الحصول على شهادات في العلوم و الفلسفة ، طبعا بمساعدة لا تنسى لمعلمتها الفاضلة آن ، حيث كانت تجلس الى جانبها تنقل لها ما يحاضر و ما يشرح كلمة كلمة ، وهكذا تخرجت من الجامعة عام 1904م و في سنها الرابع و العشرين و بعد التخرج انهالت نتاجات شهرتها الذائعة عليها على شكل دعوات و ندوات لالقاء المحاضرات و كتابة المقالات.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح مؤلفة سلسلة هاري بوتر “جوان رولينج”

و هيلين منذ تخرجها عزمت كل العزم على تكريس حياتها للمكفوفين و مساعدتهم بشتى الصور ،فشاركت في التعليم وكتابة الكتب وغيرها اما عن أوقات فراغها فقد كانت هيلين تمضيها في الخياطة والتطريز والقراءة ، وتمكنت أيضا من أن تتعلم السباحة والغوص وقيادة العربة ذات الحصانين و في الثلاثينيات من القرن الماضي قامت هيلين بجولات متكررة في مختلف أرجاء العالم فزارت خمسة وثلاثون بلداً في القارات الخمس، وقامت بزيارة الجرحى والمصابين في رحلة دعائية لصالح المعوقين للحديث عنهم وجمع الأموال اللازمة لمساعدتهم ، كما عملت على إنشاء كلية لتعليم المعوقين وتأهيلهم.

وهنا  وراحت الدرجات الفخرية والأوسمة تنهال عليها من مختلف انحاء العالم وتسلمت هيلين العديد من المناصب السياسية فقد كانت متحدثة وكاتبة مشهورة حول العالم كما انها اصبحت محامية للاشخاص ذوي الاعاقة ،كما انها كانت تنادي بحق المرأة في الاقتراع وأحد الدعاة إلى السلام، كما و نشرت هيلن كيلر ثمانية عشر كتاباً، ومن أشهر مؤلفاتها : العالم الذي أعيش فيه، أغنية الجدار الحجري، الخروج من الظلام، الحب والسلام ، قصة حياتي الذي روت فيه قصتها منذ صغرها، وكتاب المعلم الذي تحدثت فيه عن معلمتها “آن سوليفان” ،وترجمت كتبها إلى خمسين لغة مختلفة.

 

و هكذا استمرت قصتها مزدهرة بالنجاح و مزينة بالنور الذي رسمته هي لنفسها وسط ظلام دامس غرقت فيه عيونها، و عن عمر يناهز الثمانية والثمانين توفيت هيلين كيلر في عام 1968م، مثبتة للعالم كله أن الإعاقة لا تحجب النجاح و لا تميت فينا الأمل ، و فعلاً يا هيلين “فالحياة إما أن تكون مغامرة جريئة أو لا شيء”.ً

عن الكاتب

Profile photo of رناد مجدلاوية

رناد مجدلاوية

طالبة تكنولوجيا ، اهوى الكتابة فالكتابة هي التصالح الأبدي بين الفكرة و تطبيقها ، و هي الهوية البيضاء وسط ظلام الكون ، وحينما نمزج تركيبتا التكنولوجيا و الكتابة نخرج بأكثر الأماكن قرباً الى قلبي و هو "موقع شخصيات"

اترك تعليقاً