يسرى مارديني ، تنفست النجاح تحت الماء

Profile photo of وفاء محمد
بواسطة وفاء محمد

حكاية لاجئة سبحت ضد التيار، صاحبة الوجه البريء والإبتسامة المشرقة، شابة صغيرة لها فعلٌ كالرجال، أنقذت حياة 20 شخصاً تحتم عليهم الموت لولا إصرارها ويداها القويتان، لها جمهورٌ من مغرب الأرض إلى مشرقها، إذا ما رأيتهم يصفقون لها تحسبها بطلة عالمية سابقة رغم حداثة سنها الذي لم يتجاوز الثامنة عشر، إنها السباحة السورية “يسرى مارديني” ملهمة اللاجئين وصاحبة أكثر القصص روعة وغرابة.

ولدت يسرى مارديني في الخامس من آذار لعام 1998، في العاصمة السورية دمشق، عاشت يسرى كغيرها من المواطنين السورين حياة بريئة بجأتها طفلة، ثم شابة بل في مقتبل شبابها، و ما إن بدأت تتنفس حياة الشباب حتى حصل ما لم يكن في الحسبان، فقد دقت الحرب أجراسها في سوريا، وثار بركانٌ من الدماء أغرق البلدة بأكملها، على اليمين تسمع عويلَ أمهاتٍ ثكلى، وعلى الشمال ترى الشجر يندُب حظّ ولادته في تلك الأرض، الماء ملطخٌ بالدماء والهواء ملوثٌ بالبكاء، يحاصرهم الموت من كل جانب، ولم يتبق للنجاة بأرواحهم سوى الهرب تاركين أمرهم لمصيرٍ مجهول.

ومع بزوغ فجر يوم من شهر آب سنة 2015م قررت سارة ويسرى-أختان من دمشق-الفرار مُخلّفين وراءهم أحلامهم المسلوبة، وصلتا إلى لبنان واتجهتا نحو تركيا، لم تنتهي الرحلة بعد فكان يتحتم عليهم اجتياز البحر للوصول إلى جزيرة “لسبوس” اليونانية، دفعتا المال للمهربين للركوب على متن قاربٍ مطاطي منهكٌ متهالكٌ من التعب، آوى في حضنه قصةَ عشرون لاجىءٍ رغم تحمله لستة منهم فقط، إلّا أن الأطماع البشرية آثرت بضعَ قروشٌ على حساب حياتهم، مضت ثلاثون دقيقة واختلى البحر الهائج بهم، من وراءهم حربٌ ودمار، ومن أمامهم غربة ولجوء، وبالوسط معلقين بقاربٍ يضربه الموج يمنةٌ ويسرة، ورياحٌ تزمهر فوق رؤوسهم، وظلمات البحر تحت القارب جائعة لصيدٍ ثمين، أغلب الركاب لا يُجيدون السباحة، مما اضطر الأختان واثنان آخران لاستخدام سلاحهم الوحيد المتبقي وهو السباحة التي تعلموها منذ الصغر، وبالفعل تغلبوا على غضب البحر وسبحوا ما يقارب ثلاث ساعات وتم إنقاذ حياة الأشخاص من ضمنهم طفل صغير، بعد ذلك قطعت الشقيقتان رحلة طويلة وصولاً إلى النمسا ومنها إلى ألمانيا.

yusra-mardini-2

يسرى تلك الزهرة الصغيرة تقول:”المياه هي المكان الأنسب لأنسى كل شيء”، فانطلقت باحثةً عن حلمها الضائع في سوريا لتنضم لنادي سباحة قريب من مخيم اللاجئين، وحالفها الحظ حين تم إنشاء فريق اللاجئين بأمر من لجنة الأولمبياد للمرة الأولى ليشارك في أولمبياد ريو دي جانيرو وأصبحت بذلك على مقربة من تحقيق حلمها الذي كان يبدو مستحيلاً في العام الماضي.

اقرأ ايضاً : قصة نجاح متسلق العالم العربي الأردني “مصطفى سلامة”

استطاعت أن تقدم أداءً متميزًا في ظهورها الأول، واحتلت المركز الأول في مجموعتها وسط هتافات الجمهور الصاخبة لها كأنها بطلة عالمية في منافسات الـ (100 متر فراشة)، لكنها لم تستطع عبور التصفيات،بعد حلولها في المركز الـ41 في المجمل من حيث توقيت جميع المتسابقات ، لكنها ما تزال مستمرة في مشوارها، وتَضَاعف جهدها في التدريب لتصل للنهائيات، احتفلت مؤخراً بعامها الثامن عشر، وسط والداها وشقيقتها الكبرى وأصدقائها من ألمانيا، إلا أن تراب سوريا لا تغادر رائحته الزكية ذاكرتها، ودوماً ما تحنّ لهواء دمشق وعليلها، متمنيةً أن تعود إليها بعد تحقيق إنجاز تفخر به عائلتها ومن ساعدوها.

وربما أعظم ما قيل عن اللجوء في حساب يسرى على توتير : “حتى لو لم نكن في وطننا، وحتى لو كان طريقنا وعرًا، نستطيع القيام بأمور عظيمة” لتُثبت للعالم أجمع أن الوطن في قلوبنا وليست رايات ترفرف فقط، وأن هذه الكلمات ليست مجرد كلمات وردية مكررة، فهي لا تنفكُّ ترفع اسم بلادها عالياً، يصدح صوت إنجازاتها في كل مكان، كُتب عنها مئات المقالات في مختلف لغات العالم، وقررت هوليوود إنتاج فيلم سينمائي يحمل قصة كفاح البطلة يسرى مارديني.

ووصل الأمر لتخصيص كاميرا من محطة تلفزيونية كبرى لمتابعة رحلة يسرى للأولمبياد غير أن مدربها “سبانكربس”رفض الأمر بشدة حمايةً لها من وهج الإعلام وانسياقها وراء للإضواء مما قد يسبب انحرافها عن مسيرتها المهنية وهدفها الأساسي وهو الوصول إلى أولمبياد طوكيو 2020م.

كانت تلك الشهرة مسؤولية على عاتقها حيث قالت :«لقد كرهت الأمر في بعض الأحيان، الضغوط كانت هائلة.. الكثير من الناس يعتبروني مصدر إلهام، ولا أريد أن أخيب أملهم. المهاجرون ليسوا فقط ضحايا، يمكننا أن نفعل شيئًا ما، ونحقق شيئًا ما».

مثل يسرى الكثير، كزهرة تنبت من بين الصخور، لم تُطفُىء الحربُ بريقَها بل زادتها إشعاعاً أنارت به حياة الكثيرين، حفظت سوريا في قلبها ونصرت قضيتها بإنجازاتها، لم تقف مكتوفة اليدين تلعن الظلام بل حاولت أن تشعل شمعة لتستنير طريقها،هي لاجئة كجميع اللاجئين سُرِق منها أحلامها، وفقدت بيتها ودفء عائلتها، لكنها ثابرت وما وقفت قطُّ يوماً وما استسلمت.

يكفي أن نملك قلباً يحمل معنى الإنسانية، حتى لو تخلّى العالم عنا سيبقى الإنسان في داخلنا يتكلم، ستُزهر في قلوبنا وردة تعيد لنا الحياة مرة أخرى، لا تقف حائراً كثيراً ولا تدع مصائب الدهر تميتُ فيك تلك الروح الطاهرة، سنفرح في النهاية وسننسى كلّ حزن ألّم بنا.

عن الكاتب

Profile photo of وفاء محمد

وفاء محمد

اترك تعليقاً